الأظهر أن قوله : ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل الأعمال ، والتشويه بمساويها ، وأن في ( ليس ) ضميرا عائدا على الجزاء المفهوم من قوله : ﴿ يجز به ﴾ ، أي ليس الجزاء تابعا لأماني الناس ومشتهاهم ، بل هو أمر مقدر من الله تعالى تقديرا بحسب الأعمال ، ومما يؤيد أن يكون قوله : ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ استئنافا ابتدائيا أنه وقع بعد تذييل مشعر بالنهاية وهو قوله : ﴿ ومن أصدق من الله قيلا ﴾ ( النساء : 122 ) . ومما يرجحه أن في ذلك الاعتبار إبهاما في الضمير ، ثم بيانا له بالحملة بعده ، وهي : ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ ؛ وأن فيه تقديم جملة ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ عن موقعها الذي يترقب في آخر الكلام ، فكان تقديمها إظهارا للاهتمام بها ، وتهيئة لإبهام الضمير . وهذه كلها خصائص من طرق الإعجاز في النظم . وجملة ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ استئناف بياني ناشىء عن جملة ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ لأن السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل . ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسرناه . وجعل صاحب ( الكشاف ) الضمير المستتر عائدا على وعد الله ، أي ليس وعد الله بأمانيكم ؛ فتكون الجملة من تكملة الكلام السابق حالا من ﴿ وعد الله ﴾ ( النساء : 122 ) ، وتكون جملة ﴿ من يعمل سوءا يحز به ﴾ استئنافا ابتدائيا محضا .
روي الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح ، وروى ابن جرير بسنده إلى مسروق ، وقتادة ، والسدي ، والضحاك ، وبعض الروايات يزيد على بعض ، أن سبب نزولها : أنه وقع تحاج بين المسلمين وأهل الكتاب : اليهود والنصارى ، كل فريق يقول للآخرين : نحن خير منكم ، ويحتج لذلك ويقول : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا . فأنزل الله ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ الآيات مبين أن كل من اتبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكل من ضل وخالف أمر الله فهو مجازى بسوء عمله ، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى ، فبطل قول النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنة ، فبطل قول المسلمين واليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكما فصلا بين الفرق ، وتعليما لهم أن ينظروا في توفر حقيقة الإيمان الصحيح ، وتوفر العمل الصالح معه ، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله : { ليس