دفع بعض الأضرار ، وتقليم الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي ، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزين ، وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات والمتنمصات والمتفلجات للحسن فمما أشكل تأويله . وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي عن سمات كانت تعد من سمات العواهر في ذلك العهد ، أو من سمات المشركات ، وإلا فلو فرضنا هذه منهيا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك . وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إنما إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان ، بأن يجعل علامة لنحلة شيطانية ، كما هو سياق الآية واتصال الحديث بها . وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمى : ( النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح ) .
وجملة ﴿ ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ﴾ تذييل دال على أن ما دعاهم إليه الشيطان : من تبتيك آذان الأنعام ، وتغيير خلق الله ، إنما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره ، والتدين بدعوته ، وإلا فإن الشيطان لا ينفعه أن يبتك أحد أذن ناقته ، أو أن يغير شيئا من خلقته ، إلا إذا كان ذلك للتأثر بدعوته .
وقوله : ﴿ يعدهم ويمنيهم ﴾ استئناف لبيان أنه أنجز عزمه فوعد ومنى وهو لا يزال يعد ويمني ، فلذلك جيء بالمضارع . وإنما لم يذكر أنه يأمرهم فيبتكون آذان الأنعام ويغيرون خلق الله لظهور وقوعه لكل أحد .
وجيء باسم الإشارة في قوله : ﴿ أولئك مأواهم جهنم ﴾ لتنبيه السامعين إلى ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر وأن المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدم من ذكر صفاتهم .
والمحيص : المراغ والملجأ ، من حاص إذا نفر وراغ ، وفي حديث هرقل ( فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ) . وقال جعفر بن علبة الحارثي :
ولم ندر إن حصنا من الموت حيصة
كم العمر باقق والمدى متطاول
روي : حصنا وحيصة بالحاء والصاد المهملتين ويقال : جاض أيضا بالجيم والضاد المعجمة ، وبهما روي بيت جعفر أيضا .