والمستضعف : المعدود ضعيفا فلا يعبأ بما يصنع به فليس هو في عزة تمكنه من إظهار إسلامه ، فلذلك يضطر إلى كتمان إسلامه . والأرض هي مكة . أرادوا : كنا مكرهين على الكفر ما أقمنا في مكة ، وهذا جواب صادق إذ لا مطمع في الكذب في عالم الحقيقة وقد حسبوا ذلك عذرا يبيح البقاء على الشرك ، أو يبيح التخلف عن الهجرة ، على اختلاف التفسيرين ، فلذلك رد الملائكة عليهم بقولهم : ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ ، أي تخرجوا من الأرض التي تستضعفون فيها ، فبذلك تظهرون الإيمان ، أو فقد اتسعت الأرض فلا تعدمون أرضا تستطيعون الإقامة فيها . وظاهر الآية أن الخروج إلى كل بلد غير بلد الفتنة يعد هجرة ، لكن دل قوله : ﴿ مهاجرا إلى الله ورسوله ﴾ ( النساء : 100 ) أن المقصود الهجرة إلى المدينة وهي التي كانت واجبة ، وأما هجرة المؤمنين إلى الحبشة فقد كانت قبل وجوب الهجرة ؛ لأن النبي وفريقا من المؤمنين ، كانوا بعد بمكة ، وكانت بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا رد مفحم لهم .
والمهاجرة : الخروج من الوطن وترك القوم ، مفاعلة من هجر إذا ترك ، وإنما اشتق للخروج عن الوطن اسم المهاجرة لأنها في الغالب تكون عن كراهية بين الراحل والمقيمين ، فكل فريق يطلب ترك الآخر ، ثم شاع إطلاقها على مفارقة الوطن بدون هذا القيد .
والفاء في قوله : ﴿ فأولئك مأواهم جهنم ﴾ ( النساء : 97 ) تفريع على ما حكى من توبيخ الملائكة إياهم وتهديدهم .
وجيء باسم الإشارة في قوله : ﴿ فأولئك مأواهم جهنم ﴾ للتنبيه على أنهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجل الصفات المذكورة قبله ، لأنهم كانوا قادرين على التخلص من فتنة الشرك بالخروج من أرضه .
وقوله : ﴿ إلا المستضعفين ﴾ استثناء من الوعيد ، والمعنى إلا المستضعفين حقا ، أي العاجزين عن الخروج من مكة لقلة جهد ، أو لإكراه المشركين إياهم وإيثاقهم على البقاء : مثل عياش بن أبي ربيعة المتقدم خبره في قوله تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ﴾ ( النساء : 92 ) ، ومثل سلمة بن هشام ، والوليد بن الوليد . وفي ( البخاري ) أن رسول الله كان