قال تعالى : ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ﴾ ( الأنفال : 72 ) الآية ؛ فأوجب على المسلمين نصرهم في الدين إن استنصروهم ، وهذه حالة تخالف حالة الكفار . وعلى قول غيره : فالظلم المعصية العظيمة ، والوعيد الذي في هذه الآية صالح للأمرين ، على أن المسلمين لم يعدوا الذين لم يهاجروا قبل فتح مكة في عداد الصحابة . قال ابن عطية : لأنهم لم يتعين الذين ماتوا منهم على الإسلام والذين ماتوا على الكفر فلم يعتدوا بما عرفوا منهم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
وجملة : ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ خبر ( إن ) . والمعنى : قالوا لهم قول توبيخ وتهديد بالوعيد وتمهيد لدحض معذرتهم في قولهم : ﴿ كنا مستضعفين في الأرض ﴾ ، فقالوا لهم ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ .
ويجوز أن يكون جملة : ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ موضع بدل الاشتمال من جملة ﴿ توفاهم ﴾ ، فإن توفي الملائكة إياهم المحكي هنا يشتمل على قولهم لهم ﴿ فيم كنتم ﴾ .
وأما جملة ﴿ قالوا كنا مستضعفين في الأرض ﴾ فهي مفصولة عن العاطف جريا على طريقة المقاولة في المحاورة ، على ما بيناه عند قوله تعالى : ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة . وكذلك جملة : قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ﴾ . ويكون خبر ( إن ) قوله : ﴿ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ﴾ على أن يكون دخول الفاء في الخبر لكون اسم إن موصولا فإنه يعامل معاملة أسماء الشروط كثيرا ، وقد تقدمت نظائره . والإتيان بالفاء هنا أولى لطول الفصل بين اسم ( إن ) وخبرها بالمقاولة ، بحيث صار الخبر كالنتيجة لتلك المقاولة كما يدل عليه أيضا اسم الإشارة .
والاستفهام في قوله : ﴿ فيم كنتم ﴾ مستعمل للتقرير والتوبيخ .
و ( في ) للظرفية المجازية . و ( ما ) استفهام عن حالة كما دل عليه ( في ) . وقد علم المسؤول أن الحالة المسؤولون أن الحالة المسؤول عنها حالة بقائهم على الكفر أو عدم الهجرة . فقالوا معتذرين ﴿ كنا مستضعفين في الأرض ﴾ .