تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يكون ملك الموت الذي يقبض أرواح الناس واحدا ، بقوة منه تصل إلى كل هالك ، ويجوز أن يكون لكل هالك ملك يقبض روحه ، وهذا أوضح ، ويؤيده قوله تعالى : ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ إلى قوله : ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ .

و ﴿ توفاهم ﴾ فعل مضي يقال : توفاه الله ، وتوفاه ملك الموت ، وإنما لم يقرن بعلامة تأنيث فاعل الفعل ، لأن تأنيث صيغ جموع التكسير تأنيث لفظي لا حقيقي فيجوز لحاق تاء التأنيث لفعلها ، تقول : غزت العرب ، وغزى العرب .

وظلم النفس أن يفعل أحد فعلا يؤول إلى مضرته ، فهو ظالم لنفسه ، لأنه فعل بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يفعلوه لوخامة عقباه . والظلم هو الشيء الذي لا يحق فعله ولا ترضى به النفوس السليمة والشرائع ، واشتهر إطلاق ظلم النفس في القرآن على الكفر وعلى المعصية .

وقد اختلف في المراد به في هذه الآية ، فقال ابن عباس : المراد به الكفر ، وأنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلما هاجر أقاموا مع قومهم بمكة ففتنوهم فارتدوا ، وخرجوا يوم بدر مع المشركين فكثروا سواد المشركين ، فقتلوا ببدر كافرين ، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ولكنهم أكرهوا على الكفر والخروج ، فنزلت هذه الآية فيهم . رواه البخاري عن ابن عباس ، قالوا : وكان منهم أبو قيس بن الفاكه ، والحارث بن زمعة ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج ؛ فهؤلاء قتلوا . وكان العباس بن عبد المطلب ، وعقيل ونوفل ابنا أبي طالب فيمن خرج معهم ، ولكن هؤلاء الثلاثة أسروا وفدوا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك ، وهذا أصح الأقوال في هذه الآية .

وقيل : أريد بالظلم عدم الهجرة إذ كان قوم من أهل مكة أسلموا وتقاعسوا عن الهجرة . قال السدي : كان من أسلم ولم يهاجر يعتبر كافرا حتى يهاجر ، يعني ولو أظهر إسلامه وترك حال الشرك . وقال غيره : بل كانت الهجرة واجبة ولا يكفر تاركها . فعلى قول السدي فالظلم مراد به أيضا الكفر لأنه معتبر من الكفر في نظر الشرع ، أي أن الشرع لم يكتف بالإيمان إذا لم يهاجر صاحبه مع التمكن من ذلك ، وهذا بعيد فقد

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٧٤