إلا أن القاتل خطأ إذا كان وارثا للقتيل لا يرث من ديته . وهي بمنزلة تعويض المتلفات ، جعلت عوضا لحياة الذي تسبب القاتل في قتله ، وربما كان هذا المعنى هو المقصود من عهد الجاهلية ، ولذلك قالوا : تكايل الدماء ، وقالوا : هما بواء ، أي كفآن في الدم وزادوا في دية سادتهم .
وجعل عفو أهل القتيل عن أخذ الدية صدقة منهم ترغيبا في العفو .
وقد أجمل القرآن من يجب عليه دفع الدية وبينته السنة بأنهم العاقلة ، وذلك تقرير لما كان عليه الأمر قبل الإسلام .
والعاقلة : القرابة من القبيلة . تجب على الأقرب فالأقرب بحسب التقدم في التعصيب .
وقوله : ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ﴾ الآية أي إن كان القتيل مؤمنا وكان أهله كفارا ، بينهم وبين المسلمين عداوة ، يقتصر في الكفارة على تحرير الرقبة دون دفع دية لهم ، لأن الدية : إذا اعتبرناها جبرا لأولياء الدم ، فلما كانوا أعداء لم تكن حكمة في جبر خواطرهم ، وإذا اعتبرناها عوضا عن منافع قتيلهم ، مثل قيم المتلفات ، يكون منعها من الكفار ؛ لأنه لا يرث الكافر المسلم ، ولأنا لا نعطيهم مالنا يتقوون به علينا . وهذا الحكم متفق عليه بين الفقهاء ، إن كان القتيل المؤمن باقيا في دار قومه وهم كفار فأما إن كان القتيل في بلاد الإسلام وكان أولياؤه كفارا ، فقال ابن عباس ، ومالك ، وأبو حنيفة : لا تسقط عن القاتل ديته ، وتدفع لبيت مال المسلمين . وقال الشافعي ، والأوزاعي ، والثوري : تسقط الدية لأن سبب سقوطها أن مستحقيها كفار . وظاهر قوله تعالى : ﴿ وإن كان من قوم عدو ﴾ أن العبرة بأهل القتيل لا بمكان إقامته ، إذ لا أثر لمكان الإقامة في هذا الحكم ولو كانت إقامته غير معذور فيها .
وأخبر عن ﴿ قوم ﴾ بلفظ ﴿ عدو ﴾ وهو مفرد ، لأن فعولا بمعنى فاعل يكثر في كلامهم أن يكون مفردا مذكرا غير مطابق لموصوفه ، كقوله : ﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ﴾ ( النساء : 101 ) ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ ( الممتحنة : 1 ) ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الأنس ﴾ ( الأنعام : 112 ) ، وامرأة عدو وشذ قولهم عدوة . وفي كلام عمر بن الخطاب في ( صحيح البخاري ) أنه قال للنسوة اللاتي كن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم