لهم خير عظيم ، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام . وكلا المعنيين صالح بحالهم ، إلا أن المعنى الأول أشد ارتباطا بما حكي عنهم من أحوالهم .
وقوله : ﴿ ولو كان من عند غير الله ﴾ الخ يجوز أن يكون عطفا على الجملة الاستفهامية فيكونوا أمروا بالتدبر في تفاصيله ، وأعلموا بما يدل على أنه من عند الله ، وذلك انتفاء الاختلاف منه ، فيكون الأمر بالتدبر عاما ، وهذا جزئي من جزئيات التدبر ذكر هنا انتهازا لفرصة المناسبة لغمرهم بالاستدلال على صدق الرسول ، فيكون زائدا على الإنكار المسوق له الكلام ، تعرض له لأنه من المهم بالنسبة إليهم إذ كانوا في شك من أمرهم . وهذا الإعراب أليق بالمعنى الأول من معنيي التدبر هنا . ويجوز أن تكون الجملة حالا من ( القرآن ) ، ويكون قيدا للتدبر ، أي ألا يتدبرون انتفاء الاختلافف منه فيعلمون أنه من عند الله ، وهذا أليق بالمعنى الثاني من معنيي التدبر .
ومما يستأنس به للإعراب الأول عدم ذكر هذه الزيادة في الآية المماثلة لهذه من سورة القتال ، وهي قوله : ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال إلى قوله : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ ( محمد : 20 24 ) وهذه دقائق من تفسير الآية أهملها جميع المفسرين .
والاختلاف يظهر أنه أريد به اختلاف بعضه مع بعض ، أي اضطرابه ، ويحتمل أنه اختلافه مع أحوالهم : أي لوجدوا فيه اختلافا بين ما يذكره من أحوالهم وبين الواقع فليكتفوا بذلك في العلم بأنه من عند الله ، إذ كان يصف ما في قلوبهم وصف المطلع على الغيوب ، وهذا استدلال وجيز وعجيب قصد منه قطع معذرتهم في استمرار كفرهم . ووصف الاختلاف بالكثير في الطرف الممتنع وقوعه بمدلول ( لو ) . ليعلم المتدبر أن انتفاء الاختلاف من أصله أكبر دليل على أنه من عند الله ، وهذا القيد غير معتبر في الطرف المقابل لجواب ( لو ) ، فلا يقدر ذلك الطرف مقيدا بقوله : ﴿ كثيرا ﴾ بل يقدر هكذا : لكنه من عند الله فلا اختلاف فيه أصلا .