تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانوا يؤمنون بها حقا ، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهان ، وشريعة موسى عليه السلام تحذر منهم .

وقوله ﴿ يريدون ﴾ أي يحبون محبة تبعث على فعل المحبوب .

والطاغوت هنا هم الأصنام ، بدليل قوله : ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ ، ولكن فسروه بالكاهن ، أو بعظيم اليهود ، كما رأيت في سبب نزول الآية ، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلو قومه في تقديسه ، وإما لأن الكاهن يترجم عن أقوال الصنم في زعمه ، وقد تقدم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ( النساء : 51 ) من هذه السورة . وإنما قال ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ﴾ أي يحب ذلك ويحسنه لهم ، لأنه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهان والانصراف عن حكم الرسول ، أو المعنى : يريد أن يضلهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا مما صنعوا .

والضلال البعيد هو الكفر ، ووصفه بالبعيد مجاز في شدة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة ، قال الشاعر :

ضيعت حزمي في إبعادي الأملا

وقوله ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ الآية أي إذا قيل لهم احضروا أو إيتوا . فإن ( تعال ) كلمة تدل على الأمر بالحضور والإقبال ، فمفادها مفاد حرف النداء إلا أنها لا تنبيه فيها . وقد اختلف أيمة العربية في أنه فعل أو اسم فعلل ، والأصح أنه فعل لأنه مشتق من مادة العلو ، ولذلك قال الجوهري في ( الصحاح ) ( والتعالي الارتفاع ) ، تقول منه ، إذا أمرت : ( تعال يا رجل ) ، ومثله في ( القاموس ) ، ولأنه تتصل به ضمائر الرفع ، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنة فعل الأمر ، فذلك البناء هو الذي حدا فريقا من أهل العربية على القول بأنه اسم فعل ، وليس ذلك القول ببعيد ، ولم يرد عن العرب غير فتح اللام ، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فراس :

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا

تعالي أقاسمك الهموم تعالي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٠٥