والبيان : الإيضاح وكشف الحقائق الواقعة . والهدى : الإرشاد إلى ما فيه خير الناس في الحال والاستقبال . والموعظة : التحذير والتخويف . فإن جعلت الإشارة إلى مضمون قوله : ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ ( آل عمران : 137 ) الآية فإنها بيان لما غفلوا عنه من عدم التلازم بين النصر وحسن العاقبة ، ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة ، وهي هدى لهم لينتزعوا المسببات من أسبابها ، فإن سبب النجاح حقا هو الصلاح والاستقامة ، وهي موعظة لهم ليحذروا الفساد ولا يغتروا كما اغترت عاد إذ قالوا : ( من أشد منا قوة ) .
| 2 ( 139 ) ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ . ) 2
قوله : ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا ﴾ نهي للمسلمين عن أسباب الفشل . والوهن : الضعف ، وأصله ضعف الذات : كالجسم في قوله تعالى : ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ ( مريم : 4 ) ، والحبل في قول زهير :
فأصبح الحبل منها خلقا
وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأسا ، والشجاعة جبنا ، واليقين شكا ، ولذلك نهوا عنه . وأما الحزن فهو شدة الأسف البالغة حد الكآبة والانكسار . والوهن والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتب عليهما الاستسلام وترك المقاومة . فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الإعتقاد ، كما ينهى عن النسيان ، وكما ينهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرين فلانا في موضع كذا أي لا تتركه يحل فيه ، ولذلك قدم على هذا النهي قوله : ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ ( آل عمران : 137 ) إلخ . . . وعقب بقوله : ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ .
وقوله : ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ ، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنصر المستقبل ، فالعلو هنا علو مجازي وهو علو المنزلة .