وجيء ب ( قد ) ، الدالة على تأكيد الخبر ، تنزيلا لهم منزلة من ينكر ذلك لما ظهر عليهم من انكسار الخواطر من جراء الهزيمة الحاصلة لهم من المشركين ، مع أنهم يقاتلون لنصر دين الله ، وبعد أن ذاقوا حلاوة النصر يوم بدر ، فبين الله لهم أن الله جعل سنة هذا العامل أن تكون الأحوال فيه سجالا ومداولة ، وذكرهم بأحوال الأمم الماضية ، فقال : ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ . والله قادر على نصرهم ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك لئلا يغتر من يأتي بعدهم من المسلمين ، فيحسب أن النصر حليفهم . ومعنى خلت مضت وانقرضت . كقوله تعالى : ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ ( آل عمران : 137 ) .
والسنن جمع سنة وهي السيرة من العمل أو الخلق الذي يلازم المرء صدور العمل على مثالها قال لبيد :
من معشر سنت لهم آباؤهم
ولكل قوم سنة وإمامها
وقال خالد الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي :
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها
فأول راضض سنة من يسيرها
وقد تردد اعتبار أيمة اللغة إياها جامدا غير مشتق ، أو اسم مصدر سن ، إذ لم يرد في كلام العرب السن بمعنى وضع السنة ، وفي ( الكشاف ) في قوله : ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل في سورة الأحزاب ( 38 ) : سنة الله اسم موضوع موضع المصدر كقولهم تربا وجندلا ، ولعل مراده أنه اسم جامد أقيم مقام المصدر كما أقيم تربا وجندلا مقام تبا وسحقا في النصب على المفعولية المطلقة ، التي هي من شأن المصادر ، وأن المعنى تراب له وجندل له أي حصب بتراب ورجم بجندل . ويظهر أنه مختار صاحب القاموس ﴾ لأنه لم يذكر في مادة سن ما يقتضي أن السنة اسم مصدر ، ولا أتى بها عقب فعل سن ، ولا ذكر مصدرا لفعل سن . وعلى هذا يكون فعل سن هو المشتق من السنة اشتقاق الأفعال من الأسماء الجامدة ، وهو اشتقاق نادر . والجاري بكثرة على ألسنة المفسرين والمعربين : أن السنة اسم مصدر سن ولم يذكروا لفعل سن مصدرا