تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن غريب الاتفاق أن أسماء أعضاء العائلة لم تجر على قياس مثل أب ، إذ كان على حرفين ، وأخ ، وابن ، وابنة ، وأحسب أن ذلك من أثر أنها من اللغة القديمة التي نطق بها البشر قبل تهذيب اللغة ، ثم تطورت اللغة عليها وهي هي . والمراد من الأمهات وما عطف عليها الدنيا وما فوقها ، وهؤلاء المحرمات من النسب ، وقد أثبت الله تعالى تحريم من ذكرهن ، وقد كن محرمات عند العرب في جاهليتها ، تأكيدا لذلك التحريم وتغليظا له ، إذ قد استقر ذلك في الناس من قبل ، فقد قالوا ما كانت الأم حلالا لابنها قط من عهد آدم عليه السلام ، وكانت الأخت التوأمة حراما وغير التوامة حلالا ، ثم حرم الله الأخوات مطلقا من عهد نوح عليه السلام ، ثم حرمت بنات الأخ ، ويوجد تحريمهن في شريعة موسى عليه السلام ، وبقي بنات الأخت حلالا في شريعة موسى ، وثبت تحريمهن عند العرب في جاهليتها فيما روى ابن عطية في تفسيره ، عن ابن عباس : أن المحرمات المذكورات هنا كانت محرمة في الجاهلية ، إلا امرأة الأب ، والجمع بين الأختين . ومثله نقله القرطبي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة مع زيادة توجيه ذكر الاستثناء بقوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ في هذبن خاصة ، وأحسب أن هذا كله توطئة لتأويل الاستثناء في قول ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ بأن معناه : إلا ما سلف منكم في الجاهلية فلا إثم عليكم فيه ، كما سيأتي ، وكيف يستقيم ذلك فقد ذكر فيهن تحريم الربائب والأخوات من الرضاعة ، ولا أحسبهن كن محرمات في الجاهلية .

واعلم أن شريعة الإسلام قد نوهت ببيان القرابة القريبة ، فغرست لها في النفوس وقارا ينزه عن شوائب الاستعمال في اللهو والرفث ، إذ الزواج ، وإن كان غرضا صالحا باعتبار غايته ، إلا أنه لا يفارق الخاطر الأول الباعث عليه ، وهو خاطر اللهو والتلذذ .

فوقار الولادة ، أصلا وفرعا ، مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة ، ولذلك اتفقت الشرائع على تحريمه ، ثم تلاحق ذلك في بنات الإخوة وبنات الأخوات ، وكيف يسري الوقار إلى فرع الأخوات ولا يثبت للأصل ، وكذلك

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٩٥