والتفريع في قوله : ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ على لازم الأمر الذي في قوله : ﴿ وعاشروهن ﴾ وهو النهي عن سوء المعاشرة ، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو الكراهية . وجملة ﴿ فعسى أن تكرهوا ﴾ نائبه مناب جواب الشرط ، وهي عليه له فعلم الجواب منها . وتقديره : فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق ، لأن قوله ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ﴾ يفيد إمكان أن تكون المرأة المكروهة سبب خيرات فيقتضي أن لا يتعجل في الفراق .
و ﴿ عسى ﴾ هنا للمقاربة المجازية أو الترجي . و ﴿ أن تكرهوا ﴾ ساد مسد معموليها ، ﴿ ويجعل ﴾ معطوف على ﴿ تكرهوا ﴾ ، ومناط المقاربة والرجاء هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه ، بدلالة القرينة على ذلك .
وهذه حكمة عظيمة ، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي . وبعضه قد علم الله أن فيه خيرا لكنه لم يظهر للناس . قال سهل بن حنيف ، حين مرجعه من صفين ( اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله أمره لرددنا . والله ورسوله أعلم ) . وقد قال تعالى ، في سورة البقرة ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ﴾ ( البقرة : 216 ) .
والمقصود من هذا : الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء ، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة . ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم ، حتى يسبره بمسبار الرأي ، فيتحقق سلامة حسن الظاهر من سوء خفايا الباطن .
واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير ، دون مقابلة ، كما في آية البقرة ( 216 ) { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم لأن المقام في سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطرفيها إذ المخاطبون فيها كرهوا القتال ، وأحبوا السلم ، فكان حالهم مقتضيا بيان أن القتال قد يكون هو الخير لما يحصل بعده من أمن دائم ، وخضد شوكة العدو ، وأن السلم قد تكون شرا لما يحصل معها من