تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وظاهر الآية أنه إذا تحققت الاستطاعة وجب الحج على المستطيع على الفور ، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاء الأمر الفور أو عدمم اقتضائه إياه ، وقد اختلف علماء الإسلام في أن الحج واجب على الفور أو على التراخي . فذهب إلى أنه على الفور البغداديون من المالكية : ابن القصار ، وإسماعيل بن حماد ، وغيرهما ، وتأولوه من قول مالك ، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وداوود الظاهري . وذهب جمهور العلماء إلى أنه على التراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشافعي وأبي يوسف . واحتج الشافعي بأن الحج فرض قبل حج النبيء صلى الله عليه وسلم بسنين ، فلو كان على الفور لما أخره لعذر لبينه أي لأنه قدوة للناس . وقال جماعة : إذا بلغ المرء الستين وجب عليه الفور بالحج إن كان مستطيعا خشية الموت ، وحكاه ابن خويز منداد عن ابن القاسم .

ومعنى الفور أن يوقعه المكلف في الحجة التي يحين وقتها أولا عند استكمال شرط الاستطاعة .

وقوله : ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ ظاهره أنه مقابل قوله ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾ فيكون المراد بمن كفر من لم يحج مع الاستطاعة ، ولذلك قال جمع من المحققين : إن الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحج . والمراد كفر النعمة . ويجوز أيضا أن يراد تشويه صنعه بأنه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حرمه . وقال قوم : أراد ومن كفر بفرض الحج ، وقال قوم بظاهره : إن ترك الحج مع القدرة عليه كفر . ونسب للحسن . ولم يلتزم جماعة من المفسرين أن يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلة . كالتذييل ، بين بها عدم اكتراث الله بمن كفر به .

وعندي أنه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام ، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكة بأنه لا اعتداد بحجهم عند الله وإنما يريد الله أن يحج المؤمنون به والموحدون له .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٤