تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا زاد له ويستطيع الاحتراف في طريقه : فقال مالك : إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه ، وقال بمثله ابن الزبير ، والشعبي ، وعكرمة . وعن مالك كراهية السفر في البحر للحج إلا لمن لا يجد طريقا غيره كأهل الأندلس ، واحتج بأن الله تعالى قال : ﴿ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ﴾ ( الحج : 27 ) ولم أجد للبحر ذكرا . قال الشيخ ابن عطية : هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالتي تقتضي سقوط سفر البحر . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ) وهل الجهاد إلا عبادة كالحج ، وكره مالك للمرأة السفر في البحر لأنه كشفة لها ، وكل هذا إذا كانت السلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة ، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البر إلا في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحار .

وظاهر قوله تعالى : ﴿ من استاع إليه سبيلا ﴾ أن الخطاب بالحج والاستطاعة للمرء في عمله لا في عمل غيره ، ولذلك قال مالك : لا تصح النيابة في الحج في الحياة لعذر ، فالعاجز يسقط عنه الحج عنده ولم ير فيه إلا أن للرجل أن يوصي بأن يحج عنه بعد موته حج التطوع ، وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه : إذا كان له عذر مانع من الحج وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحج عنه ، أو كان له مال يستأجر به من يحج عنه ، صار قادرا في الجملة ، فيلزمه الحج ، واحتج بحديث ابن عباس : أن امرأة من خثعم سألت النبيء صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقالت : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفيجزىء أن أحج عنه ؟ قال : نعم ، حجي عنه أرأيتت لو كان على أبيكك دين أكنتت قاضيته ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى . وأجاب عنه المالكية بأن الحديث لم يدل على الوجوب بل أجابها بما فيه حث على طاعة أبيها ، وطاعة ربها .

وقال علي بن أبي طالب ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن المبارك . لا تجزىء إلا إنابة الأجرة دون إنابة الطاعة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٣