عام الخندق ، بعد انصراف الأحزاب ، وكان انصرافهم آخر سنة خمس . قال ابن إسحاق : وولى تلك الحجة المشركون . وفي مقدمات ابن رشد ما يقتضي أن الشافعي يقول : إن الحج وجب سنة تسع ، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أن دليل وجوب الحج قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } . وقد استدل الشافعي بها على أن وجوبه على التراخي ، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرر سنة ثلاث ، وأصبح المسلمون منذ يومئذ محصرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكة ووقعت حجة سنة تسع .
وفي هذه الآية من صيغ الوجوب صيغتان : لام الاستحقاق ، وحرف ( على ) الدال على تقرر حق في ذمة المجرور بها . وقد تعسر أو تعذر قيام المسلمين بأداء الحج عقب نزولها ، لأن المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك ، فلعل حكمة إيجاب الحج يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحج مهما تمكنوا من ذلك ، ولتقوم الحجة على المشركين بأنهم يمنعون هذه العبادة ، ويصدون عن المسجد الحرام ، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه .
وقوله : ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾ بدل من الناس لتقييد حال الوجوب ، وجوز الكسائي أن يكون فاعل حج ، ورد بأنه يصير الكلام : لله على سائر الناس أن يحج المستطيع منهم ، ولا معنى لتكليف جميع الناس بفعل بعضهم ، والحق أن هذا الرد لا يتجه لأن العرب تتفنن في الكلام لعلم السامع بأن فرض ذلك على الناس فرض مجمل يبينه فاعل حج ، وليس هو كقولك : استطاع الصوم ، أو استطاع حمل الثقل ، ومعنى ﴿ استطاع سبيلا ﴾ وجد سبيلا وتمكن منه ، والكلام بأواخره . والسبيل هنا مجاز فيما يتمكن به المكلف من الحج .
وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها ، واتحدت أغراضها ، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتا في كتب التفسير وغيرها ، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جدا ، وسبيل البعيد الراحلة والزاد ، ولذلك قال مالك : السبيل القدرة والناس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم . واختلف فيمن