تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بمعنى عينوا لهم حقوقهم ، وليكون هذا الأمر وما يذكر بعده تأسيسات أحكام ، لا تأكيد بعضها لبعض ، أو تقييد بعضها لبعض . وقال صاحب ( الكشاف ) : ( يراد بإيتائهم أموالهم أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة ) فهو تأويل للإيتاء بلازمه وهو الحفظ الذي يترتب عليه الإيتاء كناية بإطلاق اللازم وإرادة الملزوم ، أو مجاز بالمآل إذ الحفظ يؤول إلى الإيتاء ، وعليه فيكون هو معنى قوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ . وعلى هذين الوجهين فالمراد هنا الأمر بحفظ حقوق اليتامى من الإضاعة لا تسليم المال إليهم وهو الظاهر من الآية إذ سيجيء في قوله : ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ ( النساء : 6 ) الآية . ولنا أن نؤول اليتامى بالذين جاوزوا حد اليتم ويبقى الإيتاء بمعنى الدفع ، ويكون التعبير عنهم باليتامى للإشارة إلى وجوب دفع أموالهم إليهم في فور خروجهم من حد اليتيم ، أو يبقى على حاله ويكون هذا الإطلاق مقيدا بقوله الآتي : ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ ( النساء : 6 ) . ومن الناس من قال : اليتيم يطلق على الصغير والكبير لأنه مشتق من معنى الانفراد أي انفراده عن أبيه ، ولا يخفى أن هذا القول جمود على توهم أن الانفراد حقيقي وإنما وضع اللفظ للانفراد المجازي ، وهو انعدام الأب المنزل منزلة بقاء الولد منفردا وما هو بمنفرد فإن له أما وقوما .

قيل : نزلت هذه الآية في رجل من غطفان كان له ابن أخ في حجره ، فلما بلغ طلب ماله ، فمنعه عمه ، فنزلت هذه الآية ، فرد المال لابن أخيه ، وعلى هذا فهو المراد من قوله تعالى : ﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ .

وقوله : ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ أي لا تأخذوا الخبيث وتعطوا الطيب . والقول في تعدية فعل تبدل ونظائره مضى عند قوله تعالى في سورة فالبقرة ( 61 ) قال : { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وعلى ما تقرر هناك يتعين أن يكون الخبيث هو المأخوذ ، والطيب هو المتروك .

والخبيث والطيب أريد بهما الوصف المعنوي دون الحسي ، وهما استعارتان ؛ فالخبيث المذموم أو الحرام ، والطيب عكسه وهو الحلال : وتقدم في قوله تعالى : يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في البقرة ( 168 ) . فالمعنى : ولا تكسبوا المال الحرام

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٢٠