والإيتاء حقيقته الدفع والإعطاء الحسي ، ويطلق على تخصيص الشيء بالشيء وجعله حقا له ، مثل إطلاق الإعطاء في قوله تعالى : ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ ( الكوثر : 1 ) وفي الحديث : ( رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ) .
واليتامى جمع يتيم وجمع يتيمة ، فإذا جمعت به يتيمة فهو فعائل أصله يتائم ، فوقع فيه قلب مكاني فقالوا يتامىء ثم خففوا الهمزة فصارت ألفا وحركت الميم بالفتح ، وإذا جمع به يتيم فهو إما جمع الجمع بأن جمع أولا على يتمى ، كما قالوا : أسير وأسرى ، ثم جمع على يتامى مثل أسارى بفتح الهمزة ، أو جمع فعيل على فعائل لكونه صار اسما مثل أفيل وأفائل ، ثم صنع به من القلب ما ذكرناه آنفا . وقد نطقت العرب بجمع يتيمة على يتائم ، وبجمع فعيل على فعائل في قول بشر النجدي :
أأطلال حسن في البراق اليتائم
سلام على أطلالكن القدائم
واشتقاق اليتيم من الإنفراد ، ومنه الدرة اليتيمة أي المنفردة بالحسن ، وفعله من باب ضرب وهو قاصر ، وأطلقه العرب على من فقد أبوه في حال صغره كأنه بقي منفردا لا يجد من يدفع عنه ، ولم يعتد العرب بفقد الأم في إطلاق وصف اليتيم إذ لا يعدم الولد كافلة ، ولكنه يعدم بفقد أبيه من يدافع عنه وينفقه . وقد ظهر مما راعوه في الاشتقاق أن الذي يبلغ مبلغ الرجال لا يستحق أن يسمى يتيما إذ قد بلغ مبلغ الدفع عن نفسه ، وذلك هو إطلاق الشريعة لا سم اليتيم ، والأصل عدم النقل .
وقيل : هو في اللغة من فقد أبوه ، ولو كان كبيرا ، أو كان صغيرا وكبر ، ولا أحسب هذا الإطلاق صحيحا . وقد أريد باليتامى هنا ما يشمل الذكور والإناث وغلب في ضمير التذكير في قوله : ﴿ أموالهم ﴾ .
وظاهر الآية الأمر بدفع المال لليتيم ، ولا يجوز في حكم الشرع أن يدفع المال له ما دام مطلقا عليه اسم اليتيم ، إذ اليتيم خاص بمن لم يبلغ ، وهو حينئذ غير صالح للتصرف في ماله ، فتعين تأويل الآية إما بتأويل لفظ الإيتاء أو بتأويل اليتيم ، فلنا أن نؤول ﴿ آتوا ﴾ بغير معنى ادفعوا . وذلك بما نقل عن جابر بن زيد أنه قال : نزلت هذه الآية في الذين لا يورثون الصغار مع وجود الكبار في الجاهلية ، فيكون ﴿ آتوا ﴾