تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم ، لأن في ذلك إظهار الضعف أمامهم ، والحاجة إليهم ، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويدا رويدا ، بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم ، حتى يردوهم عن دينهم لأنهم لن يرضوا عنهم حتى يرجعوا إلى ملتهم ، فالرد على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل ، وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة . وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيه رأي من قال : ( لو كلمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ) كما يدل عليه قوله : ﴿ بل الله مولاكم ﴾ .

ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة ، أي الامتثال ، وذلك قول المنافقين لهم : لو كان محمد نبيئا ما قتل فارجعوا إلى إخوانكم وملتكم . ومعنى الرد على الأعقاب في هذا الوجه أنه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إياهم .

وقوله : ﴿ بل الله مولاكم ﴾ إضراب لإبطال ما تضمنه ما قبله ، فعلى الوحه الأول تظهر المناسبة غاية الظهور ، لأن الطاعة على ذلك الوجه هي من قبيل الموالاة والحلف فناسب إبطالها بالتذكير بأن مولى المؤمنين هو الله تعالى ، ولهذا التذكير موقع عظيم : وهو أن نقض الولاء والحلف أمر عظيم عند العرب ، فإن للولاء عندهم شأنا كشأن النسب ، وهذا معنى قرره الإسلام في خطبة حجة الوداع أو فتح مكة ( من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) فكيف إذا كان الولاء ولاء سيد الموالي كلهم .

وعلى الوجه الثاني في معنى ﴿ إن تطيعوا الذين كفروا ﴾ تكون المناسبة باعتبار ما في طاعة المنافقين من موالاتهم وترك ولاء الله تعالى .

وقوله : ﴿ وهو خير الناصرين ﴾ يقوي مناسبة الوجه الأول ويزيد إرادته ظهورا . و ﴿ خير الناصرين ﴾ هو أفضل الموصوفين بالوصف ، فيما يراد منه ، وفي موقعه ، وفائدته ، فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب ، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل ، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٢٢