تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيها صدور مثل هذا القول ، على قولهم : ﴿ ربنا اغفر لنا ﴾ إلى آخره ، فصيغة القصر في قوله : ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ﴾ قصر إضافي لرد اعتقاد من قد يتوهم أنهم قالوا أقوالا تنبىء عن الجزع ، أو الهلع ، أو الشك في النصر ، أو الاستسلام للكفار . وفي هذا القصر تعريض بالذين جزعوا من ضعفاء المسلمين أو المنافقين فقال قائلهم : لو كلمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان .

وقدم خبر ( كان ) على اسمها في قوله : ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ﴾ لأنه خبر عن مبتدأ محصور ، لأن المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ فالقصر حقيقي لأنه قصر لقولهم الصادر منهم ، حين حصول ما أصابهم في سبيل الله ، فذلك القيد ملاحظ من المقام ، نظير القصر في قوله تعالى : ﴿ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ﴾ ( النور : 51 ) فهو قصر حقيقي مقيد بزمان خاص ، تقييدا منطوقا به ، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأن المصدر المنسبك المؤول أعرف من المصدر الصريح لدلالة المؤول على النسبة وزمان الحدث ، بخلاف إضافة المصدر الصريح ، وذلك جائز في باب ( كان ) في غير صيغ القصر ، وأما في الحصر فمتعين تقديم المحصور .

والمراد من الذنوب جميعها ، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبر عنه هنا بالإسراف في الأمر ، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحد ، فلعله أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عباس وجماعة ، وعليه فالمراد بقوله : أمرنا ، أي ديننا وتكليفنا ، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه ، وتمحض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصغائر . ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال ، والاستعداد له ، أو الحذر من العدو ، وهذا الظاهر من كلمة أمر ، بأن يكونوا شكوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوهم ناشئا عن سببين : باطنن وظاهر ، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب ، والظاهر هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر ، وهذا أولى من الوجه الأول .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٢٠