تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكرم . والضعف بضم الضاد وفتحها ضد القوة في البدن ، وهما هنا مجازان ، فالأول أقرب إلى خور العزيمة ، ودبيب اليأس في النفوس والفكر ، والثاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة . وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة للعدو . ومن اللطائف ترتيبها في الذكر على حسب ترتيبها في الحصول : فإنه إذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء ، وجاء الاستسلام ، فتبعته المذلة والخضوع للعدو .

واعلموا أنه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء ، وكانت النبوءة هديا وتعليما ، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم ، وأتباع الحق ، أن لا يوهنهم ، ولا يضعفهم ، ولا يخضعهم ، مقاومة مقاوم ، ولا أذى حاسد ، أو جاهل ، وفي الحديث الصحيح ، في ( البخاري ) : أن خبابا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم ( لقد لقينا من المشركين شدة ألا تدعو الله ) فقعد وهو محمر وجهه فقال : ( لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ) الحديث .

وقوله تعالى : ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ الآية عطف على ﴿ فما وهنوا ﴾ لأنه لما وصفهم برباطة الجأش ، وثبات القلب ، وصفهم بعد ذلك بما يدل على الثبات من أقوال اللسان التي تجري عليه عند الاضطراب والجزع ، أي أن ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردد في صدق وعد الله ، ولا بدر منهم تذمر ، بل علموا أن ذلك لحكمة يعلمها سبحانه ، أو لعله كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه ، أو في الوفاء بأمانة التكليف ، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم : ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ﴾ خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم ، ثم سألوه النصر وأسبابه ثانيا فقالوا : ﴿ وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلم يصدهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النصر ، وفي ( الموطأ ) ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول : دعوت فلم يستجب لي ) فقصر قولهم في تلك الحالة التي يندر

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١١٩