عطف على قوله : ﴿ ومن ينقلب على عقبيه ﴾ ( آل عمران : 144 ) الآية وما بينهما اعتراض ، وهو عطف العبرة على الموعظة فإن قوله : ﴿ ومن ينقلب عقبيه ﴾ موعظة لمن يهم بالانقلاب ، وقوله : ﴿ وكأين من نبي قاتل ﴾ عبرة بما سلف من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم ، في حرب أو غيره ، لمماثلة الحالين . فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحد بحال أصحاب الأنبياء السالفين لأن محل المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو الممثل . وأما التشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع .
( وكأين ) كلمة بمعنى التكثير ، قيل : هي بسيطة موضوعة للتكثير ، وقيل : هي مركبة من كاف التشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه ، وليست ( أي ) هذه استفهاما حقيقيا ، ولكن المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير ، فاستفهامها مجازي ، ونونها في الأصل تنوين ، فلما ركبت وصارت كلمة واحدة جعل تنوينها نونا وبنيت . والأظهر أنها بسيطة وفيها لغات أربع ، أشهرها في النثر كأين بوزن كعين ( هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات المهموزة أن يعوضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو الياء التي تكتب في صورة إحداهما ) ، وأشهرها في الشعر كائن بوزن اسم فاعل كان ، وليست باسم فاعل خلافا للمبرد ، بل هي مخفف كأين .
ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لما كثر استعمالها تصرف فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال . قلت : وتفصيله يطول . وأنا أرى أنهم لما راموا التخفيف جعلوا الهمزة ألفا ، ثم التقى ساكنان على غير حده ، فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل ( كان ) فجعلوها همزة كالياء التي تقع بعد ألف زائدة ، وأكثر ما وقع في كلام العرب هو كاين لأنها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات وأواسطها بخلاف كائن ، قال الزجاج : اللغتان الجيدتان كاين وكائن . وحكى الشيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال : أخبرنا شيخنا