فلم تكونوا مهزومين ولكنكم كنتم كفافا ، وذلك بالنسبة لقلة المؤمنين نصر مبين . وهذه المقابلة بما أصاب العدو يوم بدر تعين أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاما بالعقوبة كما قاله جمع من المفسرين . وقد سأل هرقل أبا سفيان : كيف كان قتالكم له قال ( الحرب بيننا سجال ينال منا وننال منه ، فقال هرقل : وكذلك الرسل تبتلى وتكون لهم العاقبة ) .
وقوله : ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ الواو اعتراضية ، والإشارة بتلك إلى ما سيذكر بعد ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة : ﴿ فقد مس القوم قرح مثله ﴾ .
و ﴿ الأيام ﴾ يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب ، كقولهم : يوم بدر ويوم بعاث ويوم الشعثمين ، ومنه أيام العرب ، ويجوز أن يكون أطلق على الزمان كقول طرفة :
وما تنقصص الأيام والدهر ينفد
أي الأزمان .
والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر داول فلان فلانا الشيء إذا جعله عنده دولة ودولة عند الآخر أي يدوله كل منهما أي يلزمه حتى يشتهر به ، ومنه دال يدول دولا اشتهر ، لأن الملازمة تقتضي الشهرة بالشيء ، فالتداول في الأصل تفاعل من دال ، ويكون ذلك في الأشياء والكلام ، يقال : كلام مداول ، ثم استعملوا داولت الشيء مجازا ، إذا جعلت غيرك يتداولونه ، وقرينة هذا الاستعمال أن تقول : بينهم . فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظ له من الفعل ، ولكن له الحظ في الجعل ، وقريب منه قولهم : اضطررته إلى كذا ، أي جعلته مضطرا مع أن أصل اضطر أنه مطاوع ضره .
و ﴿ الناس ﴾ البشر كلهم لأن هذا من السنن الكونية ، فلا يختص بالقوم المتحدث عنهم .