تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب الظالمين ﴾ ﴿ وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين ﴾ .

عطف على جملة ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ ، فمضمون هذه علة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله : ﴿ فقد مس القوم قرح مثله ﴾ وعلم الله بأنهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح .

فإن كان المراد من ﴿ الذين آمنوا ﴾ هنا معنى الذين آمنوا إيمانا راسخا كاملا فقد صار المعنى : أن علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مس القرح إياهم ، وهو معنى غير مستقيم ، فلذلك اختلف المفسرون في المراد من هذا التعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العلم ، وقد تقرر في أصول الدين أن الفلاسفة قالوا : إن الله عالم بالكليات بأسرها ، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه ، علما كالعلم المبحوث عنه في الفلسفة لأن ذلك العلم صفة كمال ، وأنه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علما بوجه كلي . ومعنى ذلك أنه يعلمها من حيث إنها غير متعلقة بزمان ، مثاله : أن يعلم أن القمر جسم يوجد في وقت تكوينه ، وأن صفته تكون كذا وكذا ، وأن عوارضه النورانية المكتسبة من الشمس والخسوف والسير في أمد كذا . أما حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه ، وكذلك حصول عوارضه ، فغير معلوم لله تعالى ، قالوا : لأن الله لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغير علمه فيقتضي ذلك تغير القديم ، أو لزم جهل العالم ، مثاله : أنه إذا علم أن القمر سيخسف ساعة كذا علما أزليا ، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إما أن يزول ذلك العلم فيلزم تغير العلم السابق فيلزم من ذلك تغير الذات الموصوفة به من صفة إلى صفة ، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصفة يستلزم حدوث الموصوف ، وإما أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلم جهلا ، لأن الله إنما علم أن القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل . ولأجل هذا قالوا : إن علم الله تعالى غير زماني . وقال المسلمون كلهم : إن الله يعلم الكليات والجزئيات قبل حصولها ، وعند حصولها . وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٠١