تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر .

وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها ، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم ترو متواترة كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير .

وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف الإمام على كتابتها بالضاد مع وجود الاختلاف فيها بين الضاد والظاء في القراءات المتواترة ، بأن قال : ( ليس هذا بخلاف الكتاب لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى فهذا قد يتشابه ويتدانى ) اه .

يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف الإمام ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة ، أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب . وههنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس .

ولا أرى للاعتذار عن ذلك حاجة لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن

النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما وهي التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان بن عفان ، وأوكلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين .

وإذ تواترت قراءة ﴿ بضنين ﴾ بالضاد الساقطة ، و { بظنين بالظاء المشالة علمنا أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين .

فأما معنى ضنين بالضاد الساقطة فهو البخيل الذي لا يعطي ما عنده مشتق من الضن بالضاد مصدر ضن ، إذا بخل ، ومضارعه بالفتح والكسر .

فيجوز أن يكون على معناه الحقيقي ، أي وما صاحبكم ببخيل أي بما يوحى إليه وما يخبر به عن الأمور الغيبية طلبا للانتفاع بما يخبر به بحيث لا ينبئكم عنه إلا بعوض تعطونه ، وذلك كناية عن نفي أن يكون كاهنا أو عرافا يتلقى الأخبار عن الجنن إذ كان المشركون يترددون على الكهان ويزعمون أنهم يخبرون بالمغيبات ، قال تعالى : وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } ( الحاقة : 41 42 ) فأقام لهم الفرق بين حال الكهان وحال النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة إلى أن النبي لا يسألهم عوضا عما يخبرهم به وأن الكاهن يأخذ على ما يخبر به ما يسمونه حلوانا ، فيكون هذا المعنى من قبيل قوله تعالى : ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر ﴾ ( الفرقان : 57 ) ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا ﴾ ( الأنعام : 90 ) ونحو ذلك .

ويجوز أن يكون ( ضنين ) مجازا مرسلا في الكتمان بعلاقة اللزوم لأن الكتمان بخل بالأمر المعلوم للكاتم ، أي ما هو بكاتم الغيب ، أي ما يوحى إليه ، وذلك أنهم كانوا يقولون : ﴿ ايتت بقرآن غير هذا أو بدله ﴾ ( يونس : 15 ) وقالوا : ﴿ ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ﴾ ( الإسراء : 93 ) .

ويتعلق ﴿ على الغيب ﴾ بقوله : ﴿ بضنين ﴾ .

وحرف ( على ) على هذا الوجه بمعنى الباء مثل قوله تعالى : ﴿ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ ( الأعراف : 105 ) أي حقيق بي ، أو لتضمين ( ضنين ) معنى حريص ، والحرص : شدة البخل وما محمد بكاتم شيئا من الغيب فما أخبركم به فهو عين ما أوحيناه إليه . وقد يكون البخيل على هذه كناية عن كاتم وهو كناية بمرتبة أخرى

عن عدم التغيير . والمعنى : وما صاحبكم بكاتم شيئا من الغيب ، أي ما أخبركم به فهو الحق .

وأما معنى ( ظنين ) بالظاء المشالة فهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من الظن بمعنى التهمة ، أي مظنون . ويراد أنه مظنون به سوء ، أي أن يكون كاذبا فيما يخبر به عن الغيب ، وكثر حذف مفعول ظنين بهذا المعنى في الكلام حتى صار الظن يطلق بمعنى التهمة فعدي إلى مفعول واحد . وأصل ذلك أنهم يقولون : ظن به سوءا ، فيتعدى إلى متعلقه الأول بحرف باء الجر فلما كثر استعماله حذفوا الباء ووصلوا الفعل بالمجرور فصار مفعولا فقالوا ظنه : بمعنى اتهمه ، يقال : سرق لي كذا وظننت فلانا .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٩١