تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يخفى أن العدول عن اسم النبي العلم إلى ﴿ صاحبكم ﴾ لما يؤذن به ﴿ صاحبكم ﴾ من كونهم على علم بأحواله ، وأما العدول عن ضميره إن كان المراد ب ﴿ رسول ﴾ خصوص النبي صلى الله عليه وسلم فمن الإظهار في مقام الإضمار للوجه المذكور وإذا أريد ب ﴿ رسول ﴾ كلاهما فذكر ﴿ صاحبكم ﴾ لتخصيص الكلام به .

عطف على جملة : ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ ( التكوير : 22 ) .

والمناسبة بين الجملتين أن المشركين كانوا إذا بلغهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أنه نزل عليه جبريل بالوحي من وقت غار حراء فما بعده استهزأوا وقالوا : إن ذلك الذي يتراءى له هو جني ، فكذبهم الله بنفي الجنون عنه ثم بتحقيق أنه إنما رأى جبريل القوي الأمين . فضمير الرفع عائد إلى صاحب من قوله : ﴿ وما صاحبكم ﴾ وضمير النصب عائد إلى ﴿ رسول كريم ﴾ ( التكوير : 19 ) ، وسياق الكرم يبين معاد الرائي والمرئي .

و ( الأفق ) : الفضاء الذي يبدو للعين من الكرة الهوائية بين طرفي مطلع الشمس ومغربها من حيث يلوح ضوء الفجر ويبدو شفق الغروب وهو يلوح كأنه قبة زرقاء والمعنى رآه ما بين السماء والأرض .

و ﴿ المبين ﴾ : وصف الأفق ، أي للأفق الواضح البين .

والمقصود من هذا الوصف نعت الأفق الذي تراءى منه جبريل للنبيء عليهما الصلاة والسلام بأنه أفق واضح بين لا تشتبه فيه المرئيات ولا يتخيل فيه الخيال ،

وجعلت تلك الصفة علامة على أن المرئي ملك وليس بخيال لأن الأخيلة التي يتخيلها المجانين إنما يتخيلونها على الأرض تابعة لهم على ما تعودوه من وقت الصحة ، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الملك الذي رآه عند نزول سورة المدثر بأنه على كرسي جالس بين السماء والأرض ، ولهذا تكرر ذكر ظهور الملك بالأفق في سورة النجم ( 5 9 ) في قوله تعالى : ﴿ علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى إلى أن قال : أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ﴾ ( النجم : 12 15 ) الآيات ، قيل : رأى النبي جبريل عليهما السلام بمكة من جهة جبل أجياد من شرقيه .

الضمير عائد إلى ﴿ صاحبكم ﴾ ( التكوير : 22 ) كما يقتضيه السياق فإن المشركين لم يدعوا أن جبريل ضنين على الغيب ، وإنما ادعوا ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم ظلما وزورا ، ولقرب المعاد .

و ﴿ الغيب ﴾ : ما غاب عن عيان الناس ، أو عن علمهم وهو تسمية بالمصدر . والمراد ما استأثر الله بعلمه إلا أن يطلع عليه بعض أنبيائه ، ومنه وحي الشرائع ، والعلم بصفات الله تعالى وشؤونه ، ومشاهدة ملك الوحي ، وتقدم في قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب في سورة البقرة .

وكتبت كلمة بضنين } في مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه القراء .

وحكي عن أبي عبيد ، قال الطبري : هو ما عليه مصاحف المسلمين متفقة وإن اختلفت قراءتهم به .

وفي ( الكشاف ) : ( هو في مصحف أبي بالضاد وفي مصحف ابن مسعود بالظاء ) وقد اقتصر الشاطبي في منظومته في الرسم على رسمه بالضاد إذ قال :

والضاد في ﴿ بضنين ﴾ تجمع البشرا

وقد اختلف القراء في قراءته فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر

وخلف وروح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان مما يلي الأضراس وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف الإمام .

وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا ، وذكر في ( الكشاف ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما ، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه ، لأن القراءتين ما كانتا متواترتين إلا وقد رويتا عن النبي صلى الله عليه وسلم

والضاد والظاء حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعاني غالبا إلا نحو حضضض بضادين ساقطتين وحظظ بظاءين مشالين وحضظ بضاد ساقطة بعدها ظاء مشالة وثلاثتها بضم الحاء وفتح ما بعد الحاء . فقد قالوا : إنها لغات في كلمة ذات معنى واحد وهو اسم صمغ يقال له : خولان .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٩٠