وحرف ﴿ على ﴾ في هذا الوجه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الظرفية نحو ﴿ أو أجد على النار هدى ﴾ ( طه : 10 ) ، أي ما هو بمتهم في أمر الغيب وهو الوحي أن لا يكون كما بلغه ، أي أن ما بلغه هو الغيب لا ريب فيه ، وعكسه قولهم : ائتمنه على كذا .
عطف على : ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ ( التكوير : 19 ) ، وهذا رجوع إلى ما أقسم عليه من أن القرآن قول رسول كريم ، بعد أن استطرد بينهما بتلك المستطردات الدالة على زيادة كمال هذا القول بقدسية مصدره ومكانة حامله عند الله وصدقق متلقيه منه عن رؤية محققة لا تخيل فيها ، فكان التخلص إلى العود لتنزيه القرآن بمناسبة ذكر الغيب في قوله تعالى : ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ ( التكوير : 24 ) .
فإن القرآن من أمر الغيب الذي أوحي به إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفيه كثير من الأخبار عن أمور الغيب الجنة والنار ونحو ذلك .
وقد علم أن الضمير عائد إلى القرآن لأنه أخبر عن الضمير بالقول الذي هو من جنس الكلام إذ قال : ﴿ وما هو بقول شيطان رجيم ﴾ ( التكوير : 25 ) فكان المخبر عنه من قبيل الأقوال لا محالة ، فلا يتوهم أن الضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير : ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ .
وهذا إبطال لقول المشركين فيه أنه كاهن ، فإنهم كانوا يزعمون أن الكهان تأتيهم الشياطين بأخبار الغيب ، قال تعالى : ﴿ وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ﴾ ( الحاقة : 41 42 ) وقال : ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ ( الشعراء : 210 ، 211 ) وقال : ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم ﴾ ( الشعراء : 221 ، 222 ) وهم كانوا يزعمون أن الكاهن يتلقى عن شيطانه ويسمون شيطانه رئيا .
وفي حديث فترة الوحي ونزول سورة والضحى : أن حمالة الحطب امرأة أبي لهب وهي أم جميل بنت حرب قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ( أرى شيطانك قد قلاك ) .
و ﴿ رجيم ﴾ فعيل بمعنى مفعول ، أي مرجوم ، والمرجوم : المبعد الذي يتباعد الناس من شره فإذا أقبل عليهم رجموه فهو وصف كاشف للشيطان لأنه لا يكون إلا متبرأ منه .
جملة : ﴿ فأين تذهبون ﴾ معترضة بين جملة : ﴿ وما هو بقول شيطان رجيم ﴾ ( التكوير : 25 ) وقوله : ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ ( التكوير : 27 ) .
والفاء لتفريع التوبيخ والتعجيز على الحجج المتقدمة المثبتة أن القرآن لا يجوز أن يكون كلام كاهن وأنه وحي من الله بواسطة الملك .
وهذا من اقتران الجملة المعترضة بالفاء كما تقدم في قوله تعالى : { فمن شاء ذكره في سورة عبس .
و ( أين ) اسم استفهام عن المكان . وهو استفهام إنكاري عن مكان ذهابهم ، أي طريق ضلالهم ، تمثيلا لحالهم في سلوك طرق الباطل بحال من ضل الطريق الجادة فيسأله السائل منكرا عليه سلوكه ، أي اعدل عن هذا الطريق فإنه مضلة .
ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في التعجيز عن طلب طريق يسلكونه إلى مقصدهم من الطعن في القرآن .
والمعنى : أنه قد سدت عليكم طرق بهتانكم إذ اتضح بالحجة الدامغة بطلان
ادعائكم أن القرآن كلام مجنون أو كلام كاهن ، فماذا تدعون بعد ذلك .
واعلم أن جملة أين تذهبون قد أرسلت مثلا ، ولعله من مبتكرات القرآن وكنت رأيت في كلام بعضهم : أين يذهب بك ، لمن كان في خطأ وعماية .
( 27 ، 28 ) }
بعد أن أفاقهم من ضلالتهم أرشدهم إلى حقيقة القرآن بقوله : ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ ، وهذه الجملة تتنزل منزلة المؤكدة لجملة : ﴿ وما هو بقول شيطان رجيم ﴾ ( التكوير : 25 ) ولذلك جردت عن العاطف ، ذلك أن القصر المستفاد من النفي والاستثناء في قوله : ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ يفيد قصر القرآن على صفة الذكر ، أي لا غير ذلك وهو قصر إضافي قصد منه إبطال أن يكون قول شاعر ، أو قول كاهن ، أو قول مجنون ، فمن جملة ما أفاده القصر نفي أن يكون قول شيطان رجيم ، وبذلك كان فيه تأكيد لجملة : ﴿ وما هو بقول شيطان رجيم ﴾ .