وأما الذين لم يلتزموا معنى الزجر في ﴿ كلا ﴾ وهم الكسائي القائل : تكون ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقا ، ووافقه ثعلب وأبو حاتم السجستاني القائل : تكون ﴿ كلا ﴾ بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية .
والنضر بن شميل والفراء القائلان : تكون ﴿ كلا ﴾ حرف جواب بمعنى نعم . فهؤلاء تأويل الكلام على رأيهم ظاهر .
وعن الفراء ﴿ كلا ﴾ تكون صلة ( أي حرفا زائدا للتأكيد ) كقولك : كلا ورب الكعبة ا ه . وهذا وجه إليه ولا يتأتى في هذه الآية .
فالوجه في موقع ﴿ كلا ﴾ هنا أنه يجوز أن تكون زجرا عما يفهم من قوله : ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ ( عبس : 22 ) المكنى به عن فساد استدلالهم بتأخيره على أنه لا يقع فيكون الكلام على هذا تأكيدا للإبطال الذي في قوله : ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ ( عبس : 11 ) باعتبار معناه الكنائي إن كان صريح معناه غير باطل فقوله : ﴿ إذا شاء ﴾ مؤذن بأنه الآن لم يشأ وذلك مؤذن بإبطال أن يقع البعث عندما يسألون وقوعه ، أي أنا لا نشاء إنشارهم الآن وإنما ننشرهم عندما نشاء مما قدرنا أجله عند خلق العالم الأرضي .
وتكون جملة : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ تعليلا للردع ، أي الإنسان لم يستتم ما أجل الله لبقاء نوعه في هذا العالم من يوم تكوينه فلذلك لا ينشر الآن ، ويكون المراد بالأمر في قوله : ﴿ ما أمره ﴾ أمر التكوين ، أي لم يستتم ما صدر به أمر تكوينه حين قيل لآدم : ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ ( البقرة : 36 ) .
ويجوز أن يكون زجرا عما أفاده قوله : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ وقدمت ﴿ كلا ﴾ في صدر الكلام الواردة لإبطاله للاهتمام بمبادرة الزجر .
وتقدم الكلام في ﴿ كلا ﴾ في سورة مريم وأحلت هنالك على ما هنا .
و ﴿ لما ﴾ حرف نفي يدل على نفي الفعل في الماضي مثل ( لم ) ويزيد بالدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم كقوله تعالى : ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ ( الحجرات : 14 ) .
والمقصود أنه مستمر على عدم قضاء ما أمره الله مما دعاه إليه .
والقضاء : فعل ما يجب على الإنسان كاملا لأن أصل القضاء مشتق من الإتمام فتضمن فعلا تاما ، أي لم يزل الإنسان الكافر معرضا عن الإيمان الذي أمره الله به ، وعن النظر في خلقه من نطفة ثم تطوره أطوارا إلى الموت قال تعالى : ﴿ فلينظر الإنسان مما خلق ﴾ ( الطارق : 5 ) ، وما أمره من التدبر في القرآن ودلائله ومن إعمال عقله في الاستدلال على وحدانية الله تعالى ونفي الشريك عنه . ومن الدلائل نظره في كيفية خلقه فإنها دلائل قائمة بذاته فاستحق الردع والزجر .
والضمير المستتر في ﴿ أمره ﴾ عائد إلى ما عادت إليه الضمائر المستترة في ( خلقه ، وقدره ، ويسره ، وأماته ، وأقبره ، وأنشره ) .
( 24 32 ) ﴿ ﴾
إما مفرع على قوله : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ ( عبس : 23 ) فيكون مما أمره الله به من النظر ، وإما على قوله : ﴿ ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان . والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى الفصيحة ، إذ التقدير : إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه . وهذا نظير الفاء في قوله تعالى : ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق ﴾ ( الطارق : 4 ، 5 ) ، أي إن أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مم خلق ليهتدي بالنظر فيؤمن فينجو .
وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى تدارك الإنسان ما أهمله وكان الانتقال من الاستدلال بما في خلق الإنسان من بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية : ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ ( عبس : 18 ) إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ترسيخا للاستدلال ، وتفننا فيه ، وتعريضا بالمنة على الإنسان في هذه الدلائل ، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من الأنعام .