لا تقبروني إن قبري محرم
عليكم ولكن أبشري أم عامر
يريد أن تأكله الضبع ، وأبطل الإسلام ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم دفن شهداء المسلمين يوم أحد في قبور مشتركة ، ووارى قتلى المشركين ببدر في قليب ، قال عمرو بن معديكرب قبل الإسلام :
آليت لا أدفن قتلاكم
فدخنوا المرء وسرباله
وجملة : ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ رجوع إلى إثبات البعث وهي كالنتيجة عقب الاستدلال . ووقع قوله : ﴿ إذا شاء ﴾ معترضا بين جملة ﴿ أماته ﴾ وجملة : ﴿ أنشره ﴾ لرد توهم المشركين أن عدم التعجيل بالبعث دليل على انتفاء وقوعه في المستقبل و ( إذا ) ظرف للمستقبل ففعل المضي بعدها مؤول بالمستقبل . والمعنى : ثم حين يشاء ينشره ، أي ينشره حين تتعلق مشيئته بإنشاره .
و ﴿ أنشره ﴾ بعثه من الأرض وأصل النشر إخراج الشيء المخبأ يقال : نشر الثوب ، إذ أزال طيه ، ونشر الصحيفة ، إذا فتحها ليقرأها . ومنه الحديث : ( فنشروا التوراة ) .
وأما الإنشار بالهمز فهو خاص بإخراج الميت من الأرض حيا وهو البعث ، فيجوز أن يقال : نشر الميت ، والعرب لم يكونوا يعتقدون إحياء الأموات إلا أن يكونوا قد قالوه في تخيلاتهم التوهمية . فيكون منه قول الأعشى :
حتى يقول الناس مما رأوا
يا عجبا للميتت الناشر
ولذلك قال الله تعالى : ﴿ ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ﴾ ( هود : 7 ) .
وفي قوله : ﴿ إذا شاء ﴾ رد لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحديا وتهكما ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلا على أنه لا يكون ، فأعلمهم الله أنه يقع عندما يشاء الله وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول إلى حكمة الله ، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية .
تفسير هذه الآية معضل وكلمات المفسرين والمتأولين فيها بعضها جاف المنال ، وبعضها جافف عن الاستعمال . ذلك أن المعروف في ﴿ كلا ﴾ أنه حرف ردع وزجر عن كلام سابق أو لاحق ، وليس فيما تضمنه ما سبقها ولا فيما بعدها ما ظاهره أن يزجر عنه ولا أن يبطل ، فتعين المصير إلى تأويل مورد ﴿ كلا ﴾ .
فأما الذين التزموا أن يكون حرف ﴿ كلا ﴾ للردع والزجر وهم الخليل وسيبويه وجمهور نحاة البصرة ويجيزون الوقف عليها كما يجيزون الابتداء بها ، فقد تأولوا هذه الآية وما أشبهها بتوجيه الإنكار إلى ما يومىء إليه الكلام السابق أو اللاحق دون صريحه ولا مضمونه .
فمنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما قبل ﴿ كلا ﴾ مما يومىء إليه قوله تعالى : ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ ( عبس : 22 ) ، أي إذا شاء الله ، إذ يومىء إلى أن الكافر ينكر أن ينشره الله ويعتل بأنه لم ينشر أحدا منذ القدم إلى الآن . وهذا الوجه هو الجاري على قول البصريين كما تقدم .
وموقع ﴿ كلا ﴾ على هذا التأويل موقع الجواب بالإبطال ، وموقع جملة : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ موقع العلة للإبطال ، أي لو قضى ما أمره الله به لعلم بطلان زعمه أنه لا ينشر .
وتأوله في ( الكشاف ) بأنه : ( ردع للإنسان عما هو عليه ) أي مما ذكر قبله من شدة كفره واسترساله عليه دون إقلاع ، يريد أنه زجر عن مضمون : ﴿ ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) .
ومنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما بعد ﴿ كلا ﴾ مما يومىء إليه قوله تعالى : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ أي ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق الله الذي نبهه إليه بدعوة الرسل وبإيداع قوة التفكير فيه ، ويتسروح هذا من كلام روي عن مجاهد ، وهو أقرب لأن ما بعد ﴿ كلا ﴾ لما كان نفيا ناسب أن يجعل ﴿ كلا ﴾ تمهيدا للنفي .
وموقع ﴿ كلا ﴾ على هذا الوجه أنها جزء من استئناف .
وموقع جملة : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ استئناف بياني نشأ عن مضمون جملة : ﴿ من أي شيء خلقه إلى قوله : أنشره ﴾ ( عبس : 18 22 ) ، أي إنما لم يهتد الكافر إلى دلالة الخلق الأول على إمكانن الخلق الثاني ، لأنه لم يقض حق النظر الذي أمره الله .