تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعدية فعل النظر هنا بحرف ﴿ إلى ﴾ تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره . والمقصود التدبر فيما يشاهده الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض . وجعل المنظور إليه ذات الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به .

وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات ، والمراد أحوالها مثل قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ ( المائدة : 3 ) أي أكلها ، فأمر الله الإنسان بالتفكير في أطوار تكون الحبوب والثمار التي بها طعامه ، وقد وصف له تطور ذلك ليتأمل ما أودع إليه في ذلك من بديع التكوين سواء رأى ذلك ببصره أم لم يره ، ولا يخلو أحد عن علمم إجمالي بذلك ، فيزيده هذا الوصف علما تفصيليا ، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة في الأرض ، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد ، وقد يكون تمثيلا في جميع تلك الأطوار بأن تخرج الأجساد من الأرض كخروج النبات بأن يكون بذرها في الأرض ويرسل الله لها قوى لا نعلمها تشابه قوة الماء الذي به تحيا بذور النبات ، قال تعالى : ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ﴾ ( نوح : 17 ، 18 ) .

وفي ( تفسير ابن كثير ) عند قوله تعالى : ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ ( التكوير : 7 ) عن ابن ( أبي ) حاتم بسنده إلى ابن عباس : ( يسيل واد من أصل العرش فيما بين الصيحتين فينبت منه كل خلق بلي إنسانن أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض ، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد ) ا ه . وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكنه وإنما يجزم العقل بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي .

والإنسان المذكور هنا هو الإنسان المذكور في قوله : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله : ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ ( عبس : 18 ) ، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداء كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإيضاح .

وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج ، وبسبب كد الأعمال البدنية والإفرازات ، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب .

وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام ، إجراء للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله : ﴿ إنا صببنا الماء صبا ﴾ إلى آخرها .

فالتقدير : فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم .

وقرأ الجمهور : ﴿ إنا صببنا ﴾ بكسر همزة ( إنا ) على أن الجملة بيان لجملة : ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه الإيجاز . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على أنه اسم بدل اشتمال من ﴿ طعامه ﴾ أو البدل الذي يسميه بعض النحويين بدل مفصل من مجمل .

والصب : إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء غير الذي كانت فيه ، يقال : صب الماء في الجرة ، وصب القمح في الهري ، وصب الدراهم في الكيس . وأصله : صب الماء ، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو .

والشق : الإبعاد بين ما كان متصلا . والمراد هنا شق سطح الأرض بخرق الماء فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة ، أو بقوة حر الشمس في زمن الصيف لتتهيأ لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء .

وإسناد الصب والشق والإنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدر نظام الأسباب المؤثرة في ذلك ، ومحكم نواميسها وملهم الناس استعمالها .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٧٦