ويجوز أن يكون زجرا عما أفاده قوله : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ وقدمت ﴿ كلا ﴾ في صدر الكلام الواردة لإبطاله للاهتمام بمبادرة الزجر .
وتقدم الكلام في ﴿ كلا ﴾ في سورة مريم وأحلت هنالك على ما هنا .
و ﴿ لما ﴾ حرف نفي يدل على نفي الفعل في الماضي مثل ( لم ) ويزيد بالدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم كقوله تعالى : ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ ( الحجرات : 14 ) .
والمقصود أنه مستمر على عدم قضاء ما أمره الله مما دعاه إليه .
والقضاء : فعل ما يجب على الإنسان كاملا لأن أصل القضاء مشتق من الإتمام فتضمن فعلا تاما ، أي لم يزل الإنسان الكافر معرضا عن الإيمان الذي أمره الله به ، وعن النظر في خلقه من نطفة ثم تطوره أطوارا إلى الموت قال تعالى : ﴿ فلينظر الإنسان مما خلق ﴾ ( الطارق : 5 ) ، وما أمره من التدبر في القرآن ودلائله ومن إعمال عقله في الاستدلال على وحدانية الله تعالى ونفي الشريك عنه . ومن الدلائل نظره في كيفية خلقه فإنها دلائل قائمة بذاته فاستحق الردع والزجر .
والضمير المستتر في ﴿ أمره ﴾ عائد إلى ما عادت إليه الضمائر المستترة في ( خلقه ، وقدره ، ويسره ، وأماته ، وأقبره ، وأنشره ) .
( 24 32 ) ﴿ ﴾
إما مفرع على قوله : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ ( عبس : 23 ) فيكون مما أمره الله به من النظر ، وإما على قوله : ﴿ ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر الإنسان . والفاء مع كونها للتفريع تفيد معنى الفصيحة ، إذ التقدير : إن أراد أن يقضي ما أمره فلينظر إلى طعامه أو إن أراد نقض كفره فلينظر إلى طعامه . وهذا نظير الفاء في قوله تعالى : ﴿ إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق ﴾ ( الطارق : 4 ، 5 ) ، أي إن أراد الإنسان الخلاص من تبعات ما يكتبه عليه الحافظ فلينظر مم خلق ليهتدي بالنظر فيؤمن فينجو .
وهذا استدلال آخر على تقريب كيفية البعث انتقل إليه في معرض الإرشاد إلى تدارك الإنسان ما أهمله وكان الانتقال من الاستدلال بما في خلق الإنسان من بديع الصنع من دلائل قائمة بنفسه في آية : ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ ( عبس : 18 ) إلى الاستدلال بأحوال موجودة في بعض الكائنات شديدة الملازمة لحياة الإنسان ترسيخا للاستدلال ، وتفننا فيه ، وتعريضا بالمنة على الإنسان في هذه الدلائل ، من نعمة النبات الذي به بقاء حياة الإنسان وحياة ما ينفعه من الأنعام .
وتعدية فعل النظر هنا بحرف ﴿ إلى ﴾ تدل على أنه من نظر العين إشارة إلى أن العبرة تحصل بمجرد النظر في أطواره . والمقصود التدبر فيما يشاهده الإنسان من أحوال طعامه بالاستدلال بها على إيجاد الموجودات من الأرض . وجعل المنظور إليه ذات الطعام مع أن المراد النظر إلى أسباب تكونه وأحوال تطوره إلى حالة انتفاع الإنسان به وانتفاع أنعام الناس به .
وذلك من أسلوب إناطة الأحكام بأسماء الذوات ، والمراد أحوالها مثل قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ ( المائدة : 3 ) أي أكلها ، فأمر الله الإنسان بالتفكير في أطوار تكون الحبوب والثمار التي بها طعامه ، وقد وصف له تطور ذلك ليتأمل ما أودع إليه في
ذلك من بديع التكوين سواء رأى ذلك ببصره أم لم يره ، ولا يخلو أحد عن علمم إجمالي بذلك ، فيزيده هذا الوصف علما تفصيليا ، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة في الأرض ، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد ، وقد يكون تمثيلا في جميع تلك الأطوار بأن تخرج الأجساد من الأرض كخروج النبات بأن يكون بذرها في الأرض ويرسل الله لها قوى لا نعلمها تشابه قوة الماء الذي به تحيا بذور النبات ، قال تعالى : ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ﴾ ( نوح : 17 ، 18 ) .