تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي ( تفسير ابن كثير ) عند قوله تعالى : ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ ( التكوير : 7 ) عن ابن ( أبي ) حاتم بسنده إلى ابن عباس : ( يسيل واد من أصل العرش فيما بين الصيحتين فينبت منه كل خلق بلي إنسانن أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض ، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد ) ا ه . وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكنه وإنما يجزم العقل بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي .

والإنسان المذكور هنا هو الإنسان المذكور في قوله : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله : ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ ( عبس : 18 ) ، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداء كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإيضاح .

وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج ، وبسبب كد الأعمال البدنية والإفرازات ، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب .

وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام ، إجراء للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله : ﴿ إنا صببنا الماء صبا ﴾ إلى آخرها .

فالتقدير : فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم .

وقرأ الجمهور : ﴿ إنا صببنا ﴾ بكسر همزة ( إنا ) على أن الجملة بيان لجملة : ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه ﴾ لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه الإيجاز . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على أنه اسم بدل اشتمال من ﴿ طعامه ﴾ أو البدل الذي يسميه بعض النحويين بدل مفصل من مجمل .

والصب : إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء غير الذي كانت فيه ، يقال : صب الماء في الجرة ، وصب القمح في الهري ، وصب الدراهم في الكيس . وأصله : صب الماء ، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو .

والشق : الإبعاد بين ما كان متصلا . والمراد هنا شق سطح الأرض بخرق الماء فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة ، أو بقوة حر الشمس في زمن الصيف لتتهيأ لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء .

وإسناد الصب والشق والإنبات إلى ضمير الجلالة لأن الله مقدر نظام الأسباب المؤثرة في ذلك ، ومحكم نواميسها وملهم الناس استعمالها .

فالإسناد مجاز عقلي في الأفعال الثلاثة . وقد شاع في ﴿ صببنا ﴾ و ﴿ أنبتنا ﴾ حتى ساوى الحقيقة العقلية .

وانتصب ﴿ صبا ﴾ و ﴿ شقا ﴾ على المفعول المطلق ل ﴿ صببنا ﴾ و ﴿ شققنا ﴾ مؤكدا لعامله ليتأتى تنوينه لما في التنكير من الدلالة على التعظيم وتعظيم كل شيء بما يناسبه وهو تعظيم تعجيب .

والفاء في قوله : ﴿ فأنبتنا ﴾ للتفريع والتعقيب وهو في كل شيء بحسبه .

والحب أريد منه المقتات منه للإنسان ، وقد تقدم في قوله تعالى : ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ﴾ في سورة البقرة .

والعنب : ثمر الكرم ، ويتخذ منه الخمر والخل ، ويؤكل رطبا ، ويتخذ منه الزبيب .

والقضب : الفصفصة الرطبة ، سميت قضبا لأنها تعلف للدواب رطبة فتقضب ،

أي تقطع مرة بعد أخرى ولا تزال تخلف ما دام الماء ينزل عليها ، وتسمى القت .

والزيتون : الثمر الذي يعصر منه الزيت المعروف .

والنخل : الشجر الذي ثمرته التمر وأطواره .

والحدائق : جمع حديقة وهي الجنة من نخل وكرم وشجر فواكه ، وعطفها على النخل من عطف الأعم على الأخص ، ولأن في ذكر الحدائق إدماجا للامتنان بها لأنها مواضع تنزههم واخترافهم .

وإنما ذكر النخل دون ثمرته ، وهو التمر ، خلافا لما قرن به من الثمار والفواكه والكلأ ، لأن منافع شجر النخيل كثيرة لا تقتصر على ثمره ، فهم يقتاتون ثمرته من تمر ورطب وبسر ، ويأكلون جماره ، ويشربون ماء عود النخلة إذا شق عنه ، ويتخذون من نوى التمر علفا لإبلهم ، وكل ذلك من الطعام ، فضلا عن اتخاذهم البيوت والأواني من خشبه ، والحصر من سعفه ، والحبال من ليفه . فذكر اسم الشجرة الجامعة لهذه المنافع أجمع في الاستدلال بمختلف الأحوال وإدماج الامتنان بوفرة النعم ، وقد تقدم قريبا في سورة النبأ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٥٩