حتى يقول الناس مما رأوا
يا عجبا للميتت الناشر
ولذلك قال الله تعالى : ﴿ ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ﴾ ( هود : 7 ) .
وفي قوله : ﴿ إذا شاء ﴾ رد لشبهتهم إذ كانوا يطلبون تعجيل البعث تحديا وتهكما ليجعلوا عدم الاستجابة بتعجيله دليلا على أنه لا يكون ، فأعلمهم الله أنه يقع عندما يشاء الله وقوعه لا في الوقت الذي يسألونه لأنه موكول إلى حكمة الله ، واستفادة إبطال قولهم من طريق الكناية .
تفسير هذه الآية معضل وكلمات المفسرين والمتأولين فيها بعضها جاف المنال ، وبعضها جافف عن الاستعمال . ذلك أن المعروف في ﴿ كلا ﴾ أنه حرف ردع وزجر عن كلام سابق أو لاحق ، وليس فيما تضمنه ما سبقها ولا فيما بعدها ما ظاهره أن يزجر عنه ولا أن يبطل ، فتعين المصير إلى تأويل مورد ﴿ كلا ﴾ .
فأما الذين التزموا أن يكون حرف ﴿ كلا ﴾ للردع والزجر وهم الخليل وسيبويه وجمهور نحاة البصرة ويجيزون الوقف عليها كما يجيزون الابتداء بها ، فقد تأولوا هذه الآية وما أشبهها بتوجيه الإنكار إلى ما يومىء إليه الكلام السابق أو اللاحق دون صريحه ولا مضمونه .
فمنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما قبل ﴿ كلا ﴾ مما يومىء إليه قوله تعالى : ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ ( عبس : 22 ) ، أي إذا شاء الله ، إذ يومىء إلى أن الكافر ينكر أن ينشره الله
ويعتل بأنه لم ينشر أحدا منذ القدم إلى الآن . وهذا الوجه هو الجاري على قول البصريين كما تقدم .
وموقع ﴿ كلا ﴾ على هذا التأويل موقع الجواب بالإبطال ، وموقع جملة : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ موقع العلة للإبطال ، أي لو قضى ما أمره الله به لعلم بطلان زعمه أنه لا ينشر .
وتأوله في ( الكشاف ) بأنه : ( ردع للإنسان عما هو عليه ) أي مما ذكر قبله من شدة كفره واسترساله عليه دون إقلاع ، يريد أنه زجر عن مضمون : ﴿ ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) .
ومنهم من يجعل الردع متوجها إلى ما بعد ﴿ كلا ﴾ مما يومىء إليه قوله تعالى : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ أي ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق الله الذي نبهه إليه بدعوة الرسل وبإيداع قوة التفكير فيه ، ويتسروح هذا من كلام روي عن مجاهد ، وهو أقرب لأن ما بعد ﴿ كلا ﴾ لما كان نفيا ناسب أن يجعل ﴿ كلا ﴾ تمهيدا للنفي .
وموقع ﴿ كلا ﴾ على هذا الوجه أنها جزء من استئناف .
وموقع جملة : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ استئناف بياني نشأ عن مضمون جملة : ﴿ من أي شيء خلقه إلى قوله : أنشره ﴾ ( عبس : 18 22 ) ، أي إنما لم يهتد الكافر إلى دلالة الخلق الأول على إمكانن الخلق الثاني ، لأنه لم يقض حق النظر الذي أمره الله .
وأما الذين لم يلتزموا معنى الزجر في ﴿ كلا ﴾ وهم الكسائي القائل : تكون ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقا ، ووافقه ثعلب وأبو حاتم السجستاني القائل : تكون ﴿ كلا ﴾ بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية .
والنضر بن شميل والفراء القائلان : تكون ﴿ كلا ﴾ حرف جواب بمعنى نعم . فهؤلاء تأويل الكلام على رأيهم ظاهر .
وعن الفراء ﴿ كلا ﴾ تكون صلة ( أي حرفا زائدا للتأكيد ) كقولك : كلا ورب الكعبة ا ه . وهذا وجه إليه ولا يتأتى في هذه الآية .
فالوجه في موقع ﴿ كلا ﴾ هنا أنه يجوز أن تكون زجرا عما يفهم من قوله : { ثم إذا
شاء أنشره } ( عبس : 22 ) المكنى به عن فساد استدلالهم بتأخيره على أنه لا يقع فيكون الكلام على هذا تأكيدا للإبطال الذي في قوله : ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ ( عبس : 11 ) باعتبار معناه الكنائي إن كان صريح معناه غير باطل فقوله : ﴿ إذا شاء ﴾ مؤذن بأنه الآن لم يشأ وذلك مؤذن بإبطال أن يقع البعث عندما يسألون وقوعه ، أي أنا لا نشاء إنشارهم الآن وإنما ننشرهم عندما نشاء مما قدرنا أجله عند خلق العالم الأرضي .
وتكون جملة : ﴿ لما يقض ما أمره ﴾ تعليلا للردع ، أي الإنسان لم يستتم ما أجل الله لبقاء نوعه في هذا العالم من يوم تكوينه فلذلك لا ينشر الآن ، ويكون المراد بالأمر في قوله : ﴿ ما أمره ﴾ أمر التكوين ، أي لم يستتم ما صدر به أمر تكوينه حين قيل لآدم : ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ ( البقرة : 36 ) .