وقرأ الجمهور ﴿ طوى ﴾ بلا تنوين على أنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث بتأويل البقعة ، أو للعدل عن طاو ، أو للعجمة . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف منونا باعتباره اسم واد مذكر اللفظ .
وجملة ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ بيان لجملة ﴿ ناداه ربه ﴾ .
وجملة ﴿ إنه طغى ﴾ تعليل للأمر في قوله : ﴿ اذهب ﴾ ، ولذلك افتتحت بحرف ( إن ) الذي هو للاهتمام ويفيد مفاد التعليل .
والطغيان إفراط التكبر وتقدم عند قوله { للطاغين مئابا في سورة النبأ .
وفرعون : لقب ملك القبط بمصر في القديم ، وهو اسم معرب عن اللغة العبرانية ولا يعلم هل هو اسم للملك في لغة القبط ولم يطلقه القرآن إلا على ملك مصر الذي أرسل إليه موسى ، وأطلق على الذي في زمن يوسف اسم الملك ، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه } في سورة الأعراف .
و ﴿ هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ﴾ عرض وترغيب قال تعالى : ﴿ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ﴾ ( طه : 44 ) .
وقوله : ﴿ هل لك ﴾ تركيب جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا التركيب لأنه قصد به الإيجاز يقال : هل لك إلى كذا ؟ وهل لك في كذا ؟ وهو كلام يقصد منه العرض بقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل ؟ ومنه قول كعب :
ألا بلغا عني بجيرا رسالة
فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
بضم تاء ( قلت ) . وقول بجير أخيه في جوابه عن أبياته :
من مبلغ كعبا فهل لك في التي
تلوم عليها باطلا وهي أحزم
و ﴿ لك ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره : هل لك رغبة في كذا ؟ فحذف ( رغبة ) واكتفي بدلالة حرف ( في ) عليه ، وقالوا : هل لك إلى كذا ؟ على تقدير : هل لك ميل ؟ فحذف ( ميل ) لدلالة ( إلى ) عليه .
قال الطيبي : ( قال ابن جني : متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر فكثيرا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه فيعول به في الاستعمال إليه ( كذا ) ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضده مأخذه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ وأنت إنما تقول : هل لك في كذا ؟ لكنه لما دخله معنى : آخذ بك إلى كذا أو أدعوك إليه ، قال : ﴿ هل لك إلى أن تزكى ﴾ . وقوله تعالى : ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ ( البقرة : 187 ) لا يقال : رفثت إلى المرأة ، إنما يقال : رفثتت بها ، ومعها ، لكن لما كان الرفث في معنى الإفضاء عدي ب ( إلى ) وهذا من أسد مذاهب العربية ، لأنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه ) ا ه . قيل : ليس هذا من باب التضمين بل من باب المجاز والقرينة الجارة .
و ﴿ تزكى ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر ويعقوب بتشديد الزاي على اعتبار أن أصله : تتزكى ، بتاءين ، فقلبت التاء المجاورة للزاي زايا لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الزاي . وقرأه الباقون بتخفيف الزاي على أنه حدفت إحدى التاءين اقتصارا للتخفيف .
وفعل ﴿ تزكى ﴾ على القراءتين أصله : تتزكى بتاءين مضارع تزكى مطاوع زكاه ، أي جعله زكيا .
والزكاة : الزيادة ، وتطلق على الزيادة في الخير النفساني قال تعالى : ﴿ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ﴾ ( الشمس : 9 ، 10 ) وهو مجاز شائع ساوى الحقيقة ولذلك لا يحتاج إلى قرينة .
والمعنى : حثه على أن يستعد لتخليص نفسه من العقيدة الضالة التي هي خبث مجازي في النفس فيقبل إرشاد من يرشده إلى ما به زيادة الخير فإن فعل المطاوعة يؤذن بفعل فاعل يعالج نفسه ويروضها إذ كان لم يهتد أن يزكي نفسه بنفسه .
ولذلك أعقبه بعطف ﴿ وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ أي إن كان فيك إعداد نفسك للتزكية يكن إرشادي إياك فتخشى ، فكان ترتيب الجمل في الذكر مراعى فيه ترتبها في الحصول فلذلك لم يحتج إلى عطفه بفاء التفريع ، إذ كثيرا ما يستغنى بالعطف بالواو مع إرادة الترتيب عن العطف بحرف الترتيب لأن الواو تفيد الترتيب بالقرينة ، ويستغنى بالعطف عن ذكر حرف التفسير في العطف التفسيري الذي يكون الواو فيه بمعنى ( أي ) التفسيرية فإن ﴿ أن تزكى وأهديك ﴾ في قوة المفرد . والتقدير : هل لك في التزكية وهدايتي إياك فخشيتك الله تعالى .