تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهداية الدلالة علء الطريق الموصل إلى المطلوب إذا قبلها المهدي .

وتفريع ﴿ فتخشى ﴾ على ﴿ أهديك ﴾ إشارة إلى أن خشية الله لا تكون إلا بالمعرفة قال تعالى : ﴿ إنما يخشى الله من عبادة العلماء ﴾ ( فاطر : 28 ) ، أي العلماء به ، أي يخشاه خشية كاملة لا خطأ فيها ولا تقصير .

قال الطيبي : وعن الواسطي : أوائل العلم الخشية ، ثم الإجلال ، ثم التعظيم ، ثم الهيبة ، ثم الفناء .

وفي الاقتصار على ذكر الخشية إيجاز بليغ لأن الخشية ملاك كل خير . وفي ( جامع الترمذي ) عن أبي هريرة قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ) .

وذكر له الإلاه الحق بوصف ﴿ ربك ﴾ دون أن يذكر له اسم الله العلم أو غيره من طرق التعريف إلطافا في الدعوة إلى التوحيد وتجنبا لاستطارة نفسه نفورا ، لأنه لا يعرف في لغة فرعون اسم لله تعالى ، ولو عرفه له باسمه في لغة إسرائيل لنفر لأن فرعون كان يعبد آلهة باطلة ، فكان في قوله : ﴿ إلى ربك ﴾ وفرعون يعلم أن له ربا إطماع له أن يرشده موسى إلى ما لا ينافي عقائده فيصغي إليه سمعه حتى إذا سمع قوله وحجته داخله الإيمان الحق مدرجا ، ففي هذا الأسلوب استنزال لطائره .

والخشية : الخوف فإذا أطلقت في لسان الشرع يراد بها خشية الله تعالى ، ولهذا نزل فعلها هنا منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول لأن المخشي معلوم مثل فعل الإيمان في لسان الشرع يقال : آمن فلان ، وفلان مؤمن ، أي مؤمن بالله ووحدانيته .

( 20 24 ) ﴿ لله ﴾

الفاء في قوله : ﴿ فأراه الآية الكبرى ﴾ فصيحة وتفريع على محذوف يقتضيه قوله ﴿ اذهب إلى فرعون ﴾ ( النازعات : 17 ) . والتقدير : فذهب فدعاه فكذبه فأراه الآية الكبرى ، وذلك لأن قوله : ﴿ إنه طغى ﴾ ( النازعات : 17 ) يؤذن بأنه سيلاقي دعوة موسى بالاحتقار والإنكار ، لأن الطغيان مظنة ذينك ، فعرض موسى عليه إظهار آية تدل على صدق دعوته لعله يوقن كما قال تعالى : ﴿ قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ ( الشعراء : 30 32 ) ، فتلك هي الآية الكبرى المرادة هنا .

والآية : حقيقتها العلامة والأمارة ، وتطلق على الحجة المثبتة لأنها علامة على ثبوت الحق ، وتطلق على معجزة الرسول لأنها دليل على صدق الرسول وهو المراد هنا .

وأعقب فعل ﴿ فأراه الآية الكبرى ﴾ بفعل ﴿ فكذب ﴾ للدلالة على شدة عناده ومكابرته حتى أنه رأى الآية فلم يتردد ولم يتمهل حتى ينظر في الدلالة ، بل بادر إلى التكذيب والعصيان .

والمراد بعصيانه عصيان أمر الله أن يوحده أو أن يطلق بني إسرائيل من استعبادهم وتسخيرهم للخدمة في بلاده .

وعطف ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ ب ﴿ ثم ﴾ للدلالة على التراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، فأفادت ﴿ ثم ﴾ أن مضمون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبة في الغرض الذي تضمنته الجملة قبلها ، أي أنه ارتقى من التكذيب والعصيان إلى ما هو أشد وهو الإدبار والسعي وادعاء الإلاهية لنفسه ، أي بعد أن فكر مليا لم يقتنع بالتكذيب والعصيان فخشي أنه إن سكت ربما تروج دعوة موسى بين الناس فأراد الحيطة لدفعها وتحذير الناس منها .

والإدبار والسعي مستعملان في معنييهما المجازيين فإن حقيقة الإدبار هو المشي إلى الجهة التي هي خلف الماشي بأن يكون متوجها إلى جهة ثم يتوجه إلى جهة تعاكسها . وهو هنا مستعار للإعراض عن دعوة الداعي مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لمسيلمة لما أبى الإيمان : ( ولئن أدبرت ليعقرنك الله ) .

وأما السعي فحقيقته : شدة المشي ، وهو هنا مستعار للحرص والاجتهاد في أمره الناس بعدم الإصغاء لكلام موسى ، وجمع السحرة لمعارضة معجزته إذ حسبها سحرا كما قال تعالى : ﴿ فتولى فرعون فجمع كيده ﴾ ( طه : 60 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٣٥