قال أناس باطل زعمهم
فراقبوا الله ولا تزعمن
فكر ( يزدان ) على غرة
فصيغ من تفكيره ( أهرمن )
وبطلت عقيدة النصارى بإلاهية عيسى عليه السلام بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الإلاه لا يكون إلا إلاها بأن الإلاه يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى بابن لله ، وبأن الإلاه يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم . فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلاها فبطل أن يكون عيسى إلاها .
فلما أبطلت الجملة الأولى إلاهية إلاه غير الله بالأصالة ، وأبطلت الجملة الثانية إلاهية غير الله بالاستحقاق ، أبطلت هذه الجملة إلاهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية .
وإنما نفي أن يكون الله والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي ، لأن عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى ، ولم يدع أحد أن الله سيتخذ ولدا في المستقبل .
في معنى التذييل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها لأن تلك الصفات المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره ، مع إفادة هذه انتفاء
شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى : ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ﴾ ( الحج : 73 ) .
والواو في قوله : ﴿ ولم يكن له كفؤا ﴾ اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو في قوله تعالى : ﴿ وهل يجازى إلا الكفور ﴾ ( سبأ : 17 ) فإنها تذييل لجملة ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا ﴾ ( سبأ : 17 ) ، ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث وتكون استفادة معنى التذييل تبعا للمعنى ، والنكت لا تتزاحم .
والكفؤ : بضم الكاف وضم الفاء وهمزة في آخره . وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ، إلا أن الثلاثة الأولين حققوا الهمزة وأبو جعفر سهلها ويقال : ( كفء ) بضم الكاف وسكون الفاء وبالهمز ، وبه قرأ حمزة ويعقوب ، ويقال : ﴿ كفوا ﴾ بالواو عوض الهمز ، وبه قرأ حفص عن عاصم وهي لغات ثلاث فصيحة .
ومعناه : المساوي والمماثل في الصفات .
و ﴿ أحد ﴾ هنا بمعنى إنسان أو موجود ، وهو من الأسماء النكرات الملازمة للوقوع في حيز النفي .
وحصل بهذا جناس تام مع قوله : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وتقديم خبر ( كان ) على اسمها للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بذكر الكفؤ عقب الفعل المنفي ليكون أسبق إلى السمع .
وتقديم المجرور بقوله : ﴿ له ﴾ على متعلقه وهو ﴿ كفؤا ﴾ للاهتمام باستحقاق الله نفي كفاءة أحد له ، فكان هذا الاهتمام مرجحا تقديم المجرور على متعلقه وإن كان الأصل تأخير المتعلق إذا كان ظرفا لغوا . وتأخيره عند سيبويه أحسن ما لم يقتض التقديم مقتضض كما أشار إليه في ( الكشاف ) .
وقد وردت في فضل هذه السورة أخبار صحيحة وحسنة استوفاها المفسرون . وثبت في الحديث الصحيح في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) من طرق عدة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن ) .
واختلفت التأويلات التي تأول بها أصحاب معاني الآثار لهذا الحديث ويجمعها أربعة تأويلات :
الأول : أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة ، أي تعدل ثلث القرآن إذا قرىء بدونها حتى لو كررها القارىء ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله .
الثاني : أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سورة القرآن .
الثالث : أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني لأن معاني القرآن أحكام وأخبار وتوحيد ، وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية ما لم يجمعه غيرها .
وأقول : إن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل آية الكرسي ، أو لأنه لا توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص .
التأويل الرابع : أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة .