قال في ( الكشاف ) : وهو فعل بمعنى مفعول من : صمد إليه ، إذا قصده ، فالصمد المصمود في الحوائج . قلت : ونظيره السند الذي تسند إليه الأمور المهمة . والفلق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل .
و ﴿ الصمد ﴾ : من صفات الله ، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم .
فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي . ومعناه : المفتقر إليه كل ما عداه ، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود مفتقر في شؤونه إليه .
وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد ، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع ، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا . ويشمل هذا الاسم صفاتت الله المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيا ، عالما ، مريدا ، قادرا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ، لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن مصمودا إليه .
وصيغة ﴿ الله الصمد ﴾ صيغة قصر بسبب تعريف المسند فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى ، وهو قصر قلب لإبطال ما تعوده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نسوا الله . قال أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له النبي صلى الله عليه وسلم أما آن لك أن تشهد أن لا إلاه إلا الله : ( لقد علمت أن لو كان معه إلاه آخر لقد أغنى عني شيئا ) .
جملة : ﴿ لم يلد ﴾ خبر ثانن عن اسم الجلالة من قوله : ﴿ الله الصمد ﴾ ، أو حال من المبتدأ أو بدل اشتمال من جملة ﴿ الله الصمد ﴾ ، لأن من يصمد إليه لا يكون من حاله أن يلد لأن طلب الولد لقصد الاستعانة به في إقامة شؤون الوالد وتدارك عجزه ، ولذلك استدل على إبطال قولهم : ﴿ اتخذ الله ولدا ﴾ بإثبات أنه الغني في قوله تعالى : ﴿ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات الأرض ﴾ ( يونس : 68 ) فبعد أن أبطلت الآية الأولى من هذه السورة تعدد الإلاه بالأصالة والاستقلال ، أبطلت هذه الآية تعدد الإلاه بطريق تولد إلاه عن إلاه ، لأن المتولد مساو لما تولد عنه .
والتعدد بالتولد مساو في الاستحالة لتعدد الإلاه بالأصالة لتساوي ما يلزم على التعدد في كليهما من فساد الأكوان المشار إليه بقوله تعالى : ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ( الأنبياء : 22 ) ( وهو برهان التمانع ) ولأنه لو تولد عن الله موجود آخر للزم انفصال جزء عن الله تعالى وذلك مناف للأحدية كما علمت آنفا وبطل اعتقاد المشركين من العرب أن الملائكة بنات الله تعالى فعبدوا الملائكة لذلك ، لأن البنوة للإلاه تقتضي إلاهية الابن قال تعالى : ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ﴾ ( الأنبياء : 26 ) .
وجملة ﴿ لم يولد ﴾ عطف على جملة ﴿ لم يلد ﴾ ، أي ولم يلده غيره ، وهي بمنزلة الاحتراس سدا لتجويز أن يكون له والد ، فأردف نفي الولد بنفي الوالد . وإنما قدم نفي الولد لأنه أهم إذ قد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله تعالى ولم ينسبوا
إلى الله والدا . وفيه الإيماء إلى أن من يكون مولودا مثل عيسى لا يكون إلاها لأنه لو كان الإلاه مولودا لكان وجوده مسبوقا بعدم لا محالة ، وذلك محال لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكان مفتقرا إلى من يخصصه بالوجود بعد العدم ، فحصل من مجموع جملة : ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ إبطال أن يكون الله والدا لمولود ، أو مولودا من والد بالصراحة . وبطلت إلاهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإلاه مثل عقيدة ( زرادشت ) الثانوية القائلة بوجود إلاهين : إلاه الخير وهو الأصل ، وإلاه الشر وهو متولد عن إلاه الخير ، لأن إلاه الخير وهو المسمى عندهم ( يزدان ) فكر فكرة سوء فتولد منه إلاه الشر المسمى عندهم ( أهرمن ) ، وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله :