المقام الثاني : مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة ﴿ هو ﴾ تامة الإفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم ﴿ هو الله ﴾ .
والمقام الثالث : مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الإلاه فقرن لفظ ﴿ أحد ﴾ بقوله : ﴿ هو الله ﴾ إبطالا لمقالتهم ا ه .
فاسمه تعالى العلم ابتدىء به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلها عند التخاطب بين المسلمين وعند المحاجة بينهم وبين المشركين ، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب فمسماه لا نزاع في وجوده ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزه عنها .
أما ﴿ أحد ﴾ فاسم بمعنى ( واحد ) . وأصل همزته الواو ، فيقال : وحد كما يقال : أحد ، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة ( بخلاف قلب واو وجوه ) ومعناه منفرد ، قال النابغة :
كأن رحلي وقد زال النهار بنا
بذي الجليلل على مستأنسس وحد
أي كأني وضعت الرجل على ثور وحشش أحس بأنسي وهو منفرد عن قطيعه .
وهو صفة مشبهة مثل حسن ، يقال : وحد مثل كرم ، ووحد مثل فرح .
وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له ، فلذلك أوثر ﴿ أحد ﴾ هنا على ( واحد ) لأن ( واحد ) اسم فاعل لا يفيد التمكن . ف ( واحد ) و ﴿ أحد ﴾ وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني التفرد .
هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ ( أحد ) ، أشهرها أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى : ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله في البقرة ، وقوله : ولا أشرك بربي أحدا ﴾ في الكهف وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو : أحد عشر ، وأحد وعشرين ، ومؤنثه إحدى ، ومن العلماء من خلط بين ( واحد ) وبين ﴿ أحد ﴾ فوقع في ارتباك .
فوصف الله بأنه ﴿ أحد ﴾ معناه : أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم وهي الإلاهية المعروفة ، فإذا قيل : ﴿ الله أحد ﴾ فالمراد أنه منفرد بالإلاهية ، وإذا قيل : الله واحد ، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ليس بإلاه . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلاهيته .
فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليما للناس كلهم ، وإبطالا لعقيدة الشرك وصف الله في هذه السورة ب ﴿ أحد ﴾ ولم يوصف ب ( واحد ) لأن الصفة المشبهة نهاية ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين .
وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة : إن ﴿ أحد ﴾ دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول ، ولا كثرة حسية وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة . والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم ، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل ، والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء ، والأشكال ، والألوان ، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء . وتبيينه : أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك ، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض الوجوه ، والذي لا ينقسم
انقساما عقليا أولى بالوحدانية من الذي ينقسم انقساما بالحس بالقوة ثم بالفعل ، ف ﴿ أحد ﴾ جامع للدلالة على الوحدانية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اه .
قلت : قد فهم المسلمون هذا فقد روي أن بلالا كان إذا عذب على الإسلام يقول : أحد أحد ، وكان شعار المسلمين يوم بدر : أحد أحد .
والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن ﴿ أحد ﴾ ليس ملحقا بالأسماء الحسنى لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ) . وعدها ولم يذكر فيها وصف أحد ، وذكر وصف واحد وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب ( الإرشاد ) وكتابب ( اللمع ) والغزالي في ( شرح الأسماء الحسنى ) .