وحذف مفعولا ﴿ يعلم ﴾ ولا دليل في اللفظ على تعيين تقديرهما فيوكل إلى السامع تقدير ما يقتضيه المقام من الوعيد والتهويل ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف الاقتصاري ، وحذف كلا المفعولين اقتصارا جائز عند جمهور النحاة وهو التحقيق وإن كان سيبويه يمنعه .
و ﴿ بعثر ﴾ : معناه قلب من سفل إلى علو ، والمراد به إحياء ما في القبور من الأموات الكاملة الأجساد أو أجزائها ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ في سورة الانفطار .
و ﴿ حصل ﴾ : جمع وأحصي . و ﴿ ما في الصدور ﴾ : هو ما في النفوس من ضمائر وأخلاق ، أي جمع عده والحساب عليه .
جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الإنكار ، أي كان شأنهم أن يعلموا اطلاع الله عليهم إذا بعثر ما في القبور ، وأن يذكروه لأن وراءهم الحساب المدقق ، وتفيد هذه الجملة مفاد التذييل .
وقوله : ﴿ يومئذ ﴾ متعلق بقوله : ﴿ لخبير ﴾ ، أي عليم .
والخبير : مكنى به عن المجازى بالعقاب والثواب ، بقرينة تقييده بيومئذ لأن علم الله بهم حاصل من وقت الحياة الدنيا ، وأما الذي يحصل من علمه بهم يوم بعثرة القبور ، فهو العلم الذي يترتب عليه الجزاء .
وتقديم ﴿ بهم ﴾ على عامله وهو ﴿ لخبير ﴾ للاهتمام به ليعلموا أنهم المقصود بذلك . وتقديم المجرور على العامل المقترن بلام الابتداء مع أن لها الصدر سائغ لتوسعهم في المجرورات والظرف كما تقدم آنفا في قوله : ﴿ لربه لكنود ﴾ ( العاديات : 6 ) وقوله : ﴿ على ذلك لشهيد ﴾ ( العاديات : 7 ) وقوله : ﴿ لحب الخير لشديد ﴾ ( العاديات : 8 ) . وقد علمت أن ابن هشام ينازع في وجوب صدارة لام الابتداء التي في خبر ﴿ إن ﴾ .
| 1 ( سورة القارعة ) 1
اتفقت المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة على تسمية هذه السورة ( سورة القارعة ) ولم يرو شيء في تسميتها من كلام الصحابة والتابعين .
واتفق على أنها مكية .
وعدت الثلاثين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة قريش وقبل سورة القيامة .
وآيها عشر في عد أهل المدينة وأهلل مكة ، وثمان في عد أهل الشام والبصرة ، وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة .
أغراضها
ذكر فيها إثبات وقوع البعث وما يسبق ذلك من الأهوال .
وإثبات الجزاء على الأعمال وأن أهل الأعمال الصالحة المعتبرة عند الله في نعيم ، وأهل الأعمال السيئة التي لا وزن لها عند الله في قعر الجحيم .
| 2 ( ﴿ القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش * فأما من ثقلت موازينه * فهو فى عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية ﴾ ) 2
الافتتاح بلفظ ﴿ القارعة ﴾ افتتاح مهول ، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر به .
وهو مرفوع إما على الابتداء و ﴿ ما القارعة ﴾ خبره ويكون هناك منتهى الآية .
فالمعنى : القارعة شيء عظيم هي . وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهى بقوله : ﴿ ما القارعة ﴾ .
وإما أن تكون ﴿ القارعة ﴾ الأول مستقلا بنفسه ، وعد آية عند أهل الكوفة فيقدر خبر عنه محذوف نحو : القارعة قريبة ، أو يقدر فعل محذوف نحو أتت القارعة ، ويكون قوله : ﴿ ما القارعة ﴾ استئنافا للتهويل ، وجعل آية ثانية عند أهل الكوفة ، وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها .
وإعادة لفظ ﴿ القارعة ﴾ إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : القارعة ماهيه ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع ، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر .
والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت . وأطلق القرع مجازا على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثر خوف أو اتعاظ ، يقال : قرع فلانا ، أي زجره وعنفه بصوت غضب . وفي المقامة الأولى : ( ويقرع الأسماع بزواجر وعظه ) .