والشهيد : يطلق على الشاهد وهو الخبر بما يصدق دعوى مدع ، ويطلق على الحاضر ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم ، ويطلق على المقر لأنه شهد على نفسه .
والشهيد هنا : إما بمعنى المقر كما في ( أشهد أن لا إلاه إلا الله ) .
والمعنى : أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإقرار ، وذلك في فلتات الأقوالل مثل قول المشركين في أصنامهم : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ ( الزمر : 3 ) . فهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما لا يستحق أن يعبد وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها ، أليس هذا كنودا لربهم ، قال تعالى : ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ ( الأنعام : 130 ) ، وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي .
والمقصود من هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل في أقواله وأفعاله . وعلى هذا فحرف ﴿ على ﴾ متعلق ب ( شهيد ) واسم الإشارة مشار به إلى الكنود المأخوذ من صفة ( كنود ) .
ويجوز أن يكون ( شهيد ) بمعنى ( عليم ) كقول الحارث بن حلزة في عمرو بن هند :
وهو الرب والشهيد على يو
م الخيارين والبلاء بلاء
ومتعلق ( شهيد ) محذوفا دل عليه المقام ، أي عليم بأن الله ربه ، أي بدلائل الربوبية ، ويكون قوله : ﴿ على ذلك ﴾ بمعنى : مع ذلك ، أي مع ذلك الكنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود ، فحرف ﴿ على ﴾ بمعنى ( مع ) كقوله : ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ ( البقرة : 177 ) و ﴿ يطعمون الطعام على حبه ﴾ ( الإنسان : 8 ) وقول الحارث بن حلزة :
فبقينا على الشناءة تنم
نا حصون وعرة قعساء
والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجيب من كنود الإنسان .
وقال ابن عباس والحسن وسفيان : ضمير ﴿ وإنه ﴾ عائد إلى ( ربه ) ، أي وأن الله على ذلك لشهيد ، والمقصود أن الله يعلم ذلك في نفس الإنسان ، وهذا تعريض بالتحذير من الحساب عليه . وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى .
وتقديم ﴿ على ذلك ﴾ على ( شهيد ) للاهتمام والتعجيب ومراعاة الفاصلة .
والشديد : البخيل . قال أبو ذؤيب راثيا :
حذرناه بأثواب في قعر هوة
شديد على ما ضم في اللحد جولها
والجول بالفتح والضم : التراب ، كما يقال للبخيل المتشدد أيضا قال طرفة :
عقيلة مال الفاحش المتشدد
واللام في ﴿ لحب الخير ﴾ لام التعليل ، والخير : المال قال تعالى : ﴿ إن ترك خيرا ﴾ ( البقرة : 18 ) .
والمعنى : إن في خلق الإنسان الشح لأجل حبه المال ، أي الازدياد منه قال تعالى : ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ ( الحشر : 9 ) .
وتقديم ﴿ لحب الخير ﴾ على متعلقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة الفاصلة ، وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء ، وهي من ذوات الصدر لأنه مجرور كما علمت في قوله : ﴿ لربه لكنود ﴾ .
وحب المال يبعث على منع المعروف ، وكان العرب يعيرون بالبخل وهم مع
ذلك يبخلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ويأكلون أموال اليتامى ولكنهم يسرفون في الإنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي الميسر قال تعالى : ﴿ ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ﴾ ( الفجر : 18 20 ) .
( 9 ، 10 ) ﴿ ﴾
فرع على الإخبار بكنود الإنسان وشحه استفهام إنكاري عن عدم علم الإنسان بوقت بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور فإنه أمر عجيب كيف يغفل عنه الإنسان . وهمزة الاستفهام قدمت على فاء التفريع لأن الاستفهام صدر الكلام .
وانتصب ﴿ إذا ﴾ على الظرفية لمفعول ﴿ يعلم ﴾ المحذوف اقتصارا ، ليذهب السامع في تقديره كل مذهب ممكن قصدا للتهويل .
والمعنى : ألا يعلم العذاب جزاء له على ما في كنوده وبخله من جناية متفاوتة المقدار إلى حد إيجاب الخلود في النار .