وأطلقت ﴿ القارعة ﴾ على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات كقوله تعالى : ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ ( الرعد : 31 ) وقيل : تقول العرب : قرعت القوم قارعة ، إذا نزل بهم أمر فظيع ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن .
وتأنيث ﴿ القارعة ﴾ لتأويلها بالحادثة أو الكائنة .
و ﴿ ما ﴾ استفهامية ، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه .
ف ﴿ القارعة ﴾ هنا مراد بها حادثة عظيمة . وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة ، وقيل : أريد بها صيحة النفخة في الصور ، وعن الضحاك : القارعة النار ذات الزفير ، كأنه يريد أنها اسم جهنم .
وهذا التركيب نظير قوله تعالى : ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ﴾ ( الحاقة : 1 3 ) وقد تقدم .
ومعنى ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ زيادة تهويل أمر القارعة و ﴿ ما ﴾ استفهامية صادقة على شخص ، والتقدير : وأي شخص أدراك ، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وهولها لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفة . وأدراك : بمعنى أعلمك .
و ﴿ ما القارعة ﴾ استفهام آخر مستعمل في حقيقته ، أي ما أدراك جواب هذا الاستفهام . وسد الاستفهام مسد مفعولي ﴿ أدراك ﴾ .
وجملة : ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ عطف على جملة ﴿ ما القارعة ﴾ .
والخطاب في ﴿ أدراك ﴾ لغير معين ، أي وما أدراك أيها السامع .
وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ﴾ ( الحاقة : 1 3 ) وتقدم بعضه عند قوله تعالى : ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ في سورة الانفطار .
( 4 ، 5 )
﴿ يوم ﴾ مفعول فيه منصوب بفعل مضمر دل عليه وصف القارعة لأنه في تقدير : تقرع ، أو دل عليه الكلام كله فيقدر : تكون ، أو تحصل ، يوم يكون الناس كالفراش .
وجملة : ﴿ يوم يكون الناس ﴾ مع متعلقها المحذوف بيان للإبهامين اللذين في قوله : ﴿ ما القارعة ﴾ ( القارعة : 2 ) وقوله : ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ ( القارعة : 3 ) .
وليس قوله : ﴿ يوم يكون الناس ﴾ خبرا عن ﴿ القارعة ﴾ إذ ليس سياق الكلام لتعيين يوم وقوع القارعة .
والمقصود بهذا التوقيت زيادة التهويل بما أضيف إليه ﴿ يوم ﴾ من الجملتين المفيدتين أحوالا هائلة ، إلا أن شأن التوقيت أن يكون بزمان معلوم ، وإذ قد كان هذا الحال الموقت بزمانه غير معلوم مداه . كان التوقيت له إطماعا في تعيين وقت
حصوله إذ كانوا يسألون متى هذا الوعد ، ثم توقيته بما هو مجهول لهم إبهاما آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته ، وأبرز في صورة التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره ، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرعت به الأسماع في آي كثيرة .
فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق : وهي الابتداء باسم القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، والاستفهام المستعمل في التهويل ، والإظهار في مقام الإضمار أول مرة ، والاستفهام عما ينبىء بكنه القارعة ، وتوجيه الخطاب إلى غير معين ، والإظهار في مقام الإضمار ثاني مرة ، والتوقيت بزمان مجهولل حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة .
والفراش : فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضا وهو ما في قوله تعالى : ﴿ يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ﴾ ( القمر : 7 ) . وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليلا وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسير لفظ الآية هنا به .
و ﴿ المبثوث ﴾ : المتفرق على وجه الأرض .
وجملة : ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ معترضة بين جملة ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴾ وجملة : ﴿ فأما من ثقلت موازينه ﴾ ( القارعة : 6 ) الخ . وهو إدماج لزيادة التهويل .