تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومناسبة القسم بهذه الموصوفات دون غيرها إن أريد رواحل الحجيج وهو الوجه الذي فسر به علي بن أبي طالب هو أن يصدق المشركون بوقوع المقسم عليه لأن القسم بشعائر الحج لا يكون إلا بارا حيث هم لا يصدقون بأن القرآن كلام الله ويزعمونه قول النبي صلى الله عليه وسلم

وإن أريد ب ﴿ العاديات ﴾ وما عطف عليها خيل الغزاة ، فالقسم بها لأجل التهويل والترويع لإشعار المشركين بأن غارة تترقبهم وهي غزوة بدر ، مع تسكين نفس النبي صلى الله عليه وسلم من التردد في مصير السرية التي بعث بها مع المنذر بن عمرو إذا صح خبرها فيكون القسم بخصوص هذه الخيل إدماجا للاطمئنان .

وجملة : ﴿ إن الإنسان لربه لكنود ﴾ جواب القسم .

والكنود : وصف من أمثلة المبالغة من كند ولغات العرب مختلفة في معناه فهو في لغة مضر وربيعة : الكفور بالنعمة ، وبلغة كنانة : البخيل ، وفي لغة كندة وحضرموت : العاصي . والمعنى : لشديد الكفران لله .

والتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبا ، أي أن

في طبع الإنسان الكنود لربه ، أي كفران نعمته ، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوتت فيه ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكمل أهل الصلاح لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره . وبذلك قد يذهل أو ينسى حق الله ، والإنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته ، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخلق منها ، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته .

وهذا ما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد ﴾ فلذلك كان الاستغراق عرفيا أو عاما مخصوصا ، فالإنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة ، بالقول والقصد ، أو بالفعل والغفلة ، فالإشراك كنود ، والعصيان كنود ، وقلة ملاحظة صرف النعمة فيما أعطيت لأجله كنود ، وهو متفاوت ، فهذا خلق متأصل في الإنسان فلذلك أيقظ الله له الناس ليريضوا أنفسهم على أمانة هذا الخلق من نفوسهم كما في قوله تعالى : ﴿ إن الإنسان خلق هلوعا ﴾ ( المعارج : 19 ) وقوله : ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ ( الأنبياء : 37 ) وقوله : ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ ( العلق : 6 ، 7 ) وقد تقدمت قريبا .

وعن ابن عباس : تخصيص الإنسان هنا بالكافر فهو من العموم العرفي .

وروي عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الكنود هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده ) وهو تفسير لأدنى معاني الكنود فإن أكله وحده ، أي عدم إطعامه أحدا معه ، أو عدم إطعامه المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة ، وكذلك منعه الرفد ، ومثله : ضربه عبده فإن فيه نسيانا لشكر الله الذي جعل العبد ملكا له ولم يجعله ملكا للعبد فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكنود .

وقيل التعريف في ﴿ الإنسان ﴾ للعهد ، وأن المراد به الوليد بن المغيرة ، وقيل : قرطة بن عبد عمرو بن نوفل القرشي .

واللام في ﴿ لربه ﴾ لام التقوية لأن ( كنود ) وصف ليس أصيلا في العمل ، وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق فيكثر أن يقترن مفعوله بلام التقوية ، ومع تأخيره عن معموله .

وتقديم ﴿ لربه ﴾ لإفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود بأنه كنود للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر وأعظم ذلك شرك المشركين ، ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر ( إن ) للتعجيب من هذا الخبر .

وتقديم ﴿ لربه ﴾ على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ، وابن هشام يرى أن لام الابتداء الواقعة في خبر ( إن ) ليست بذات صدارة .

وضمير ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ عائد إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٤٣