والمثقال : ما يعرف به ثقل الشيء ، وهو ما يقدر به الوزن وهو كميزانن زنة ومعنى .
والذرة : النملة الصغيرة في ابتداء حياتها .
و ﴿ مثقال ذرة ﴾ مثل في أقل القلة وذلك للمؤمنين ظاهر وبالنسبة إلى الكافرين فالمقصود ما عملوا من شر ، وأما بالنسبة إلى أعمالهم من الخير فهي كالعدم فلا توصف بخير عند الله لأن عمل الخير مشروط بالإيمان قال تعالى : ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ﴾ ( النور : 39 ) .
وإنما أعيد قوله : ﴿ ومن يعمل ﴾ دون الاكتفاء بحرف العطف لتكون كل جملة مستقلة الدلالة على المراد لتختص كل جملة بغرضها من الترغيب أو الترهيب فأهمية ذلك تقتضي التصريح والإطناب .
وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالجامعة الفاذة ففي ( الموطأ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل لثلاثة ) الحديث . فسئل عن الحمر فقال : لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ . وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : هذه أحكم آية في القرآن ، وقال الحسن : قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم يستقرىء النبي القرآن فقرأ عليه هذه الآية فقال صعصعة : حسبي فقد انتهت الموعظة لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها . وقال كعب الأحبار : ( لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .
وإذ قد كان الكلام مسوقا للترغيب والترهيب معا أوثر جانب الترغيب بالتقديم في التقسيم تنويها بأهل الخير .
وفي الكشاف } : يحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل قدمت وأخرت فقال :
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه
كلا جانبي هرشى لهن طريق ا ه
وقد غفل هذا الأعرابي عن بلاغة الآية المقتضية التنويه بأهل الخير .
روى الواحدي عن مقاتل : أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا بالمدينة أحدهما لا يبالي من الذنوب الصغائر ويركبها ، والآخر يحب أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من أن يتصدق به فنزلت الآية فيهما .
ومن أجل هذه الرواية قال جمع : إن السورة مدنية . ولو صح هذا الخبر لما كان مقتضيا أن السورة مدنية لأنهم كانوا إذا تلوا آية من القرآن شاهدا يظنها بعض السامعين نزلت في تلك القصة كما بيناه في المقدمة الخامسة .
| 1 ( سورة العاديات ) 1
سميت في المصاحف القيروانية العتيقة والتونسية والمشرقية ( سورة العاديات ) بدون واو ، وكذلك في بعض التفاسير فهي تسمية لما ذكر فيها دون حكاية لفظه . وسميت في بعض كتب التفسير ( سورة والعاديات ) بإثبات الواو .
واختلف فيها فقال ابن مسعود وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة : هي مكية . وقال أنس بن مالك وابن عباس وقتادة : هي مدنية .
وعدت الرابعة عشرة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد بناء على أنها مكية نزلت بعد سورة العصر وقبل سورة الكوثر .
وآيها إحدى عشرة .
ذكر الواحدي في ( أسباب النزول ) عن مقاتل وعن غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا سرية إلى بني كنانة وأمر عليها المنذر بن عمرو الأنصاري فأسهبت أي أمعنت في سهب وهي الأرض الواسعة شهرا وتأخر خبرهم فأرجف المنافقون وقالوا : قتلوا جميعا ، فأخبر الله عنهم بقوله : ﴿ والعاديات ضبحا ﴾ ( العاديات : 1 ) الآيات ، إعلاما بأن خيلهم قد فعلت جميع ما في تلك الآيات .
وهذا الحديث قال في ( الإتقان ) رواه الحاكم وغيره . وقال ابن كثير : روى أبو بكر البزار هنا حديثا غريبا جدا وساق الحديث قريبا مما للواحدي .
وأقول غرابة الحديث لا تناكد قبوله وهو مروي عن ثقات إلا أن في سنده حفص بن جميع وهو ضعيف . فالراجح أن السورة مدنية .