و ﴿ تحدث أخبارها ﴾ هو العامل في ﴿ يومئذ ﴾ وفي البدل ، والتقدير يوم إذ تزلزل الأرض وتخرج أثقالها ويقول الناس : ما لها تحدث أخبارها الخ .
و ﴿ أخبارها ﴾ مفعول ثانن لفعل ﴿ تحدث ﴾ لأنه مما ألحق بظن لإفادة الخبر علما ، وحذف مفعوله الأول لظهوره ، أي تحدث الإنسان لأن الغرض من الكلام هو إخبارها لما فيه من التهويل .
وضمير ﴿ تحدث ﴾ عائد إلى ﴿ الأرض ﴾ .
والتحديث حقيقته : أن يصدر كلام بخبر عن حدث . وورد في حديث الترمذي عن أبي هريرة قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول : عمل كذا وكذا فهذه أخبارها ) اه .
وجمع ﴿ أخبارها ﴾ باعتبار تعدد دلالتها على عدد القائلين ﴿ ما لها ﴾ وإنما هو خبر واحد وهو المبين بقوله : ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ .
وانتصب ﴿ أخبارها ﴾ على نزع الخافض وهو باء تعدية فعل ﴿ تحدث ﴾ .
وقوله : ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ يجوز أن يتعلق بفعل ﴿ تحدث ﴾ والباء للسببية ، أي تحدث أخبارها بسبب أن الله أمرها أن تحدث أخبارها .
ويجوز أن يكون بدلا من ﴿ أخبارها ﴾ وأظهرت الباء في البدل لتوكيد تعدية فعل ﴿ تحدث ﴾ إليه ، وعلى كلا الوجهين قد أجملت أخبارها وبينها الحديث السابق .
وأطلق الوحي على أمر التكوين ، أي أوجد فيها أسباب إخراج أثقالها فكأنه أسر إليها بكلام كقوله تعالى : ﴿ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ﴾ ( النحل : 68 ) الآيات .
وعدي فعل ﴿ أوحى ﴾ باللام لتضمين ﴿ أوحى ﴾ معنى قال كقوله تعالى : ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ﴾ ( فصلت : 11 ) ، وإلا فإن حق ﴿ أوحى ﴾ أن يتعدى بحرف ( إلى ) .
والقول المضمن هو قول التكوين قال تعالى : ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ ( النحل : 40 ) .
وإنما عدل عن فعل : قال لها إلى فعل ﴿ أوحى لها ﴾ لأنه حكاية عن تكوين لا عن قول لفظي .
وقوله : ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتا ﴾ بدل من جملة : ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ والجواب هو فعل ﴿ يصدر الناس ﴾ وقوله : ﴿ يومئذ ﴾ يتعلق به ، وقدم على متعلقه للاهتمام . وهذا الجواب هو المقصود من الكلام لأن الكلام مسوق لإثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله فإنه عند حصوله يعلم الناس أن الزلزال كان إنذارا بهذا الحشر .
وحقيقة ﴿ يصدر الناس ﴾ الخروج من محل اجتماعهم ، يقال : صدر عن المكان ، إذا تركه وخرج منه صدورا وصدرا بالتحريك . ومنه الصدر عن الماء بعد الورد ، فأطلق هنا فعل ﴿ يصدر ﴾ على خروج الناس إلى الحشر جماعات ، أو انصرافهم من المحشر إلى مآويهم من الجنة أو النار ، تشبيها بانصراف الناس عن الماء بعد الورد .
وأشتات : جمع شت بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق ، والمراد : يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عين لهم من منازلهم .
وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ومنازل الشر بقوله : ﴿ ليروا أعمالهم ﴾ ، أي يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا فيقال لكل جماعة : انظروا أعمالكم ، أو انظروا مآلكم .
وبني فعل ﴿ ليروا ﴾ إلى النائب لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيين من يريهم إياها . وقد أجمع القراء على ضم التحتية .
فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء ، ويجوز أن تكون الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال فإن الأعمال لا ترى ولكن يظهر لأهلها جزاؤها .
( 7 ، 8 )
تفريع على قوله : ﴿ ليروا أعمالهم ﴾ ( الزلزلة : 6 ) تفريع الفذلكة ، انتقالا للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء ، والتفريع قاض بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتا .