أغراضها
ذم خصال تفضي بأصحابها إلى الخسران في الآخرة ، وهي خصال غالية على المشركين والمنافقين ، ويراد تحذير المسلمين منها .
ووعظ الناس بأن وراءهم حسابا على أعمالهم بعد الموت ليتذكره المؤمن ويهدد به الجاحد . وأكد ذلك كله بأن افتتح بالقسم ، وأدمج في القسم التنويه بخيل الغزاة أو رواحل الحجيج .
| 2 ( ﴿ والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا * فوسطن به جمعا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور * وحصل ما فى الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير ﴾ ) 2
أقسم الله ب ﴿ العاديات ﴾ جمع العادية ، وهو اسم فاعل من العدو وهو السير السريع يطلق على سير الخيل والإبل خاصة .
وقد يوصف به سير الإنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عداؤو العرب ، وهم أربعة : السليك بن السلكة ، والشنفرى ، وتأبط شرا ، وعمرو بن أمية الضمري . يضرب بهم المثل في العدو .
وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل .
والضبح : اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم وهو من أصوات الخيل والسباع . وعن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح .
وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وهذا قول أهل اللغة واقتصر عليه في ( القاموس ) . روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال : ( بينما أنا جالس في الحجر جاءني رجل فسألني عن ﴿ العاديات ضبحا ﴾ فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت
سقاية زمزم فسأله عنها ، فقال : سألت عنها أحدا قبلي ؟ قال : نعم ، سألت ابن عباس فقال : الخيل تغزو في سبيل الله ، قال : اذهب فادعه لي ، فلما وقفت عند رأسه . قال : تفتي الناس بما لا علم لك به والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد فكيف تكون العادياتت ضبحا ، إنما العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى ( يعني بذلك أن السورة مكية قبل ابتداء الغزو الذي أوله غزوة بدر ) قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ) .
وليس في قول علي رضي الله عنه تصريح بأنها مكية ولا مدنية وبمثل ما قال علي قال ابن مسعود وإبراهيم ومجاهد وعبيد بن عمير .
والضبح لا يطلق على صوت الإبل في قول أهل اللغة . فإذا حمل ﴿ العاديات ﴾ على أنها الإبل ، فقال المبرد وبعض أهل اللغة : من جعلها للإبل جعل ﴿ ضبحا ﴾ بمعنى ضبعا ، يقال : ضبحت الناقة في سيرها وضبعت ، إذا مدت ضبعيها في السير . وقال أبو عبيدة : ضبحت الخيل وضبعت ، إذا عدت وهو أن يمد الفرس ضبعيه إذا عدا ، أي فالضبح لغة في الضبع وهو من قلب العين حاء . قال في ( الكشاف ) : ( وليس بثبت ) . ولكن صاحب ( القاموس ) اعتمده . وعلى تفسير ﴿ العاديات ﴾ بأنها الإبل يكون الضبح استعير لصوت الإبل ، أي من شدة العدو قويت الأصوات المترددة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل أو أريد بالضبح الضبع على لغة الإبدال .
وانتصب ﴿ ضبحا ﴾ فيجوز أن يجعل حالا من ﴿ العاديات ﴾ إذا أريد به الصوت الذي يتردد في جوفها حين العدو ، أو يجعل مبينا لنوع العدو إذا كان أصله : ضبحا .
وعلى وجه أن المقسم به رواحل الحج فالقسم بها لتعظيمها بما تعين به على مناسك الحج . واختير القسم بها لأن السامعين يوقنون أن ما يقسم عليه بها محقق ، فهي معظمة عند الجميع من المشركين والمسلمين .
والموريات : التي توري ، أي توقد .
والقدح : حك جسم على آخر ليقدح نارا ، يقال : قدح فأورى . وانتصب ﴿ قدحا ﴾ على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله . وكل من سنابك الخيل ومناسم الإبل تقدح إذا صكت الحجر الصوان نارا تسمى نار الحباحب ، قال الشنفرى يشبه نفسه في العدو ببعير :