تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أغراضها

إثبات البعث وذكر أشراطه وما يعتري الناس عند حدوثها من الفزع .

وحضور الناس للحشر وجزائهم على أعمالهم من خير أو شر وهو تحريض على فعل الخير واجتناب الشر .

| 2 ( ﴿ إذا زلزلت الارض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ ) 2

افتتاح الكلام بظرف الزمان مع إطالة الجمل المضاف إليها الظرف تشويق إلى متعلق الظرف إذ المقصود ليس توقيت صدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم بل الإخبار عن وقوع ذلك وهو البعث ، ثم الجزاء ، وفي ذلك تنزيل وقوع البعث منزلة الشيء المحقق المفروغ منه بحيث لا يهم الناس إلا معرفة وقته وأشراطه فيكون التوقيت كناية عن تحقيق وقوع الموقت .

ومعنى ﴿ زلزلت ﴾ : حركت تحريكا شديدا حتى يخيل للناس أنها خرجت من حيزها لأن فعل زلزل مأخوذ من الزلل وهو زلق الرجلين ، فلما عنوا شدة الزلل ضاعفوا الفعل للدلالة بالتضعيف على شدة الفعل كما قالوا : كبكبه ، أي كبه ولملم بالمكان من اللم .

والزلزال : بكسر الزاي الأولى مصدر زلزل ، وأما الزلزال بفتح الزاي فهو اسم

مصدر كالوسواس والقلقال ، وتقدم الكلام على الزلزال في سورة الحج .

وإنما بني فعل ﴿ زلزلت ﴾ بصيغة النائب عن الفاعل لأنه معلوم فاعله وهو الله تعالى .

وانتصب ﴿ زلزالها ﴾ على المفعول المطلق المؤكد لفعله إشارة إلى هول ذلك الزلزال فالمعنى : إذا زلزلت الأرض زلزالا .

وأضيف ﴿ زلزالها ﴾ إلى ضمير الأرض لإفادة تمكنه منها وتكرره حتى كأنه عرف بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها كقول النابغة :

أسائلتي سفاهتها وجهلا

على الهجران أخت بني شهاب

أي سفاهة لها ، أي هي معروفة بها ، وقول أبي خالد القناني :

والله أسماك سمى مباركا

آثرك الله به إيثاركا

يريد إيثارا عرفت به واختصصت به . وفي كتب السيرة أن من كلام خطر بن مالك الكاهن يذكر شيطانه حين رجم ( بلبله بلباله ) أي بلبال متمكن منه . وإعادة لفظ الأرض في قوله : ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ إظهار في مقام الإضمار لقصد التهويل .

والأثقال : جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل ، ويطلق على المتاع النفيس .

وإخراج الأرض أثقالها ناشىء عن انشقاق سطحها فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخر .

وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس .

والتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي وقال الناس ما لها ، أي الناس الذين هم أحياء ففزعوا وقال بعضهم لبعض ، أو قال كل أحد في نفسه حتى استوى في ذلك الجبان والشجاع ، والطائش والحكيم ، لأنه زلزال تجاوز الحد الذي يصبر على مثله الصبور .

وقول : ﴿ ما لها ﴾ استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها لأن اللام تفيد الاختصاص ، أي ما للأرض في هذا الزلزال ، أو ما لها زلزلت هذا الزلزال ، أي ماذا ستكون عاقبته . نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده من فعله حيث لم يتبين غرضه منه ، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالبا مردفا بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال : ما له يفعل كذا ، أو ما له في فعل كذا ، أو ما له وفلانا ، أي معه ، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدر ، أي ما لها زلزلت ، أو ما لها في هذا الزلزال ، أو ما لها وإخراج أثقالها .

وجملة : ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ الخ جواب ﴿ إذا ﴾ باعتبار ما أبدل منها من قوله : ﴿ يومئذ يصدر الناس ﴾ فيومئذ بدل من ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ .

واليوم يطلق على النهار مع ليله فيكون الزلزال نهارا وتتبعه حوادث في الليل مع انكدار النجوم وانتثارها وقد يراد باليوم مطلق الزمان .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٣٨