تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتأكيد الخبر ب ﴿ إن ﴾ ولام الابتداء يومىء إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم ما دعاهم إليه لألجأهم إلى الإيمان . فقد حكي عنهم في الآية الأخرى : ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ ( الزخرف : 20 ) .

وحرف ( على ) إذا وقع بين اسم وما يدل على فعل يفيد معنى اللزوم ، أي لازم لنا هدى الناس ، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم ، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلا للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رسلا مبينين لما قد يخفى أمره من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه .

وعطف ﴿ وإن لنا للآخرة والأولى ﴾ على جملة : ﴿ إن علينا للهدى ﴾ تتميم وتنبيه على أن تعهد الله لعباده بالهدى فضل منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه

والدار الأولى ملكه بما فيهما قال تعالى : ﴿ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ﴾ ( المائدة : 17 ) فله التصرف فيهما كيف يشاء فلا يحسبوا أن عليهم حقا على الله تعالى إلا ما تفضل به .

وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه الله وأعلم به عباده . وأن نظام أمور الدنيا وترتب مسبباته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى ، فمن فرط في شيء من ذلك فقد استحق ما تسبب فيه .

( 14 21 ) ﴿ ﴾

يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذكري إذا كان فعل : ( أنذرتكم ) مستعملا في ماضيه حقيقة وكان المراد الإنذار الذي اشتمل عليه قوله : ﴿ وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى إلى قوله : تردى ﴾ ( الليل : 8 11 ) . وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذار مفصلل على إنذار مجمل .

ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعل ( أنذرتكم ) مرادا به الحال وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في : قد قامت الصلاة ، وقولهم : عزمت عليك إلا ما فعلت كذا ، أي أعزم عليك ، ومثل ما في صيغ العقود : كبعت ، وهو تفريع على جملة : ﴿ إن علينا للهدى ﴾ ( الليل : 12 ) والمعنى : هديكم فأنذرتكم إبلاغا في الهدى .

وتنكير ﴿ نارا ﴾ للتهويل ، وجملة ﴿ تلظى ﴾ نعت . وتلظى : تلتهب من شدة الاشتعال . وهو مشتق من اللظى مصدر : لظيت النار كرضيت إذا التهبت ، وأصل ﴿ تلظى ﴾ تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار .

وجملة ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى ﴾ صفة ثانية أو حال من ﴿ نارا ﴾ بعد أن وصفت . وهذه نار خاصة أعدت للكافرين فهي التي في قوله : ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ ( البقرة : 24 ) والقرينة على ذلك قوله : ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ الآية .

وذكر القرطبي أن أبا إسحاق الزجاج قال : هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء فزعموا : أن لا يدخل النار إلا كافر ، وليس الأمر كما ظنوا : هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى ، ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اه .

والمعنى : لا يصلاها إلا أنتم .

وقد أتبع ﴿ الأشقى ﴾ بصفة ﴿ الذي كذب وتولى ﴾ لزيادة التنصيص على أنهم المقصود بذلك فإنهم يعلمون أنهم كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وتولوا ، أي أعرضوا عن القرآن ، وقد انحصر ذلك الوصف فيهم يومئذ فقد كان الناس في زمن ظهور الإسلام أحد فريقين : إما كافر وإما مؤمن تقي ، ولم يكن الذين أسلموا يغشون الكبائر لأنهم أقبلوا على الإسلام بشراشرهم ، ولذلك عطف ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ الخ تصريحا بمفهوم القصر وتكميلا للمقابلة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٩٣