و ﴿ الأشقى ﴾ و ﴿ الأتقى ﴾ مراد بهما : الشديد الشقاء والشديد التقوى ومثله كثير في الكلام .
وذكر القرطبي : أن مالكا قال : صلى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب فقرأ ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ فلما بلغ : ﴿ فأنذرتكم نارا تلظى ﴾ وقع عليه البكاء فلم يقدر يتعداها من البكاء فتركها وقرأ سورة أخرى ) .
ووصف ﴿ الأشقى ﴾ بصلة ﴿ الذي كذب وتولى ﴾ ، ووصف ﴿ الأتقى ﴾ بصلة ﴿ الذي يؤتى ماله يتزكى ﴾ للإيذان بأن للصلة تسببا في الحكم .
وبين ﴿ الأشقى ﴾ و ﴿ الأتقى ﴾ محسن الجناس المضارع .
وجملة ﴿ يتزكى ﴾ حال في ضمير ﴿ يؤتي ﴾ ، وفائدة الحال التنبيه على أنه يؤتي ماله لقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضا بالمشركين الذي يؤتون المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور .
والتزكي : تكلف الزكاء ، وهو النماء من الخير .
والمال : اسم جنس لما يختص به أحد الناس من أشياء ينتفع بذاتها أو بخراجها وغلتها مثل الأنعام والأرضين والآبار الخاصة والأشجار المختص به أربابها .
ويطلق عند بعض العرب مثل أهل يثرب على النخيل .
وليس في إضافة اسم الجنس ما يفيد العموم ، فلا تدل الآية على أنه آتى جميع ماله .
وقوله : ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ الآية اتفق أهل التأويل على أن أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أعتق بلالا قال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده . وهو قول من بهتانهم ( يعللون به أنفسهم كراهية لأن يكون أبو بكر فعل ذلك محبة للمسلمين ) ، فأنزل الله تكذيبهم بقوله : ﴿ وما لأحد عنده من نعمة تجزى ﴾ مرادا به بعض من شمله عموم ﴿ الذي يؤتي ماله يتزكى ﴾ ، وهذا شبيه بذكر بعض أفراد العام وهو لا يخصص للعموم ولكن هذه لما كانت حالة غير كثيرة في أسباب إيتاء المال تعين أن المراد بها حالة خاصة معروفة بخلاف نحو قوله : ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى ﴾ ( البقرة : 177 ) ، وقوله : ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ﴾ ( الإنسان : 9 ) .
و ﴿ عنده ﴾ ظرف مكان وهو مستعمل هنا مجازا في تمكن المعنى من المضاف إليه عنه كتمكن الكائن في المكان القريب ، قال الحارث بن حلزة :
من لنا عنده من الخير آيا
ت ثلاث في كلهن القضاء
و ﴿ من نعمة ﴾ اسم ﴿ ما ﴾ النافية جر ب ﴿ من ﴾ الزائدة التي تزاد في النفي لتأكيد النفي ، والاستثناء في ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه ﴾ منقطع ، أي لكن ابتغاء لوجه الله .
والابتغاء : الطلب بجد لأنه أبلغ من البغي .
والوجه مستعمل مرادا به الذات كقوله تعالى : ﴿ ويبقى وجه ربك ﴾ ( الرحمن : 27 ) . ومعنى ابتغاء الذات ابتغاء رضا الله .
وقوله : ﴿ ولسوف يرضى ﴾ وعد بالثواب الجزيل الذي يرضى صاحبه . وهذا تتميم لقوله : ﴿ وسيجنبها الأتقى ﴾ لأن ذلك ما أفاد إلا أنه ناج من عذاب النار لاقتضاء المقام الاقتصار على ذلك لقصد المقابلة مع قوله : ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى ﴾ فتمم هنا بذكر ما أعد له من الخيرات .
وحرف ( سوف ) لتحقيق الوعد في المستقبل كقوله : ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ ( يوسف : 98 ) أي يتغلغل رضاه في أزمنة المستقبل المديد .
واللام لام الابتداء لتأكيد الخبر .
وهذه من جوامع الكلم لأنها يندرج تحتها كل ما يرغب فيه الراغبون . وبهذه السورة انتهت سورة وسط المفصل .
| 1 ( سورة الضحى ) 1
سميت هذه السورة في أكثر المصاحف وفي كثير من كتب التفسير وفي ( جامع الترمذي ) ( سورة الضحى ) بدون واو .
وسميت في كثير من التفاسير وفي ( صحيح البخاري ) ( سورة والضحى ) بإثبات الواو .
ولما يبلغنا عن الصحابة خبر صحيح في تسميتها .
وهي مكية بالاتفاق .
وسبب نزولها ما ثبت في ( الصحيحين ) يزيد أحدهما على الآخر عن الأسود بن قيس عن جندب بن سفيان البجلي قال : ( دميت إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة ( وهي أم جميل بنت حرب زوج أبي لهب كما في رواية عن ابن عباس ذكرها ابن عطية ) فقالت : يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثث . فأنزل الله : ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ ( الضحى : 1 3 ) .