وإذ كان الوعد بتيسير اليسرى لصاحب تلك الصلات الدالة على أعمال الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى كان سلوك طريق الموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو التيسير فتعين أن التيسير مسبب عن تلك الصلات ، أي جزاء عن فعلها : فالمتيسر : تيسير الدوام عليها ، وتكون اليسرى صفة للأعمال ، وذلك من الإظهار في مقام الإضمار . والأصل : مستيسر له أعماله ، وعدل عن الإضمار إلى وصف اليسرى للثناء على تلك الأعمال بأنها ميسرة من الله كقوله تعالى : ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ في سورة الأعلى .
وخلاصة الحديث أنه بيان للفرق بين تعلق علم الله بأعمال عباده قبل أن يعملوها ، وبين تعلق خطابه إياهم بشرائعه ، وأن ما يصدر عن الناس من أعمال ظاهرة وباطنة إلى خاتمة كل أحد وموافاته هو عنوان للناس على ما كان قد علمه الله ، ويلتقي المهيعان في أن العمل هو وسيلة الحصول على الجنة أو الوقوع في جهنم .
وإنما خص الإعطاء بالذكر في قوله : ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ مع شمول ﴿ اتقى ﴾ لمفاده ، وخص البخل بالذكر في قوله : ﴿ وأما من بخل واستغنى ﴾ مع شمول ﴿ استغنى ﴾ له ، لتحريض المسلمين على الإعطاء ، فالإعطاء والتقوى شعار المسلمين مع التصديق بالحسنى وضد الثلاثة من شعار المشركين .
وفي الآية محسن الجمع مع التقسيم ، ومحسن الطباق ، أربع مرات بين ﴿ أعطى ﴾ و ﴿ بخل ﴾ ، وبين ﴿ اتقى ﴾ ، و ﴿ استغنى ﴾ ، وبين و ﴿ صدق ﴾ و ﴿ كذب ﴾ وبين ( اليسرى ) و ( العسرى ) .
وجملة : ﴿ وما يغني عنه ماله إذا تردى ﴾ عطف على جملة ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ أي سنعجل به إلى جهنم . فالتقدير : إذا تردى فيها .
والتردي : السقوط من علو إلى سفل ، يعني : لا يغني عنه ماله الذي بخل به شيئا من عذاب النار .
و ﴿ ما ﴾ يجوز أن تكون نافية . والتقدير : وسوف لا يغني عنه ماله إذا سقط في جهنم ، وتحتمل أن تكون استفهامية وهو استفهام إنكار وتوبيخ . ويجوز على هذا الوجه أن تكون الواو للاستئناف . والمعنى : وما يغني عنه ماله الذي بخل به .
روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس : ( أنه كانت لرجل من المنافقين نخلة مائلة في دار رجل مسلم ذي عيال فإذا سقط منها ثمر أكله صبية لذلك المسلم فكان صاحب النخلة ينزع من أيديهم الثمرة ، فشكا المسلم ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلم النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة أن يتركها لهم وله بها نخلة في الجنة فلم يفعل ، وسمع ذلك أبو الدحداح الأنصاري فاشترى تلك النخلة من صاحبها بحائط فيه أربعون نخلة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله اشترها مني بنخلة في الجنة فقال : نعم والذي نفسي بيده ، فأعطاها الرجل صاحب الصبية ، قال عكرمة قال ابن عباس : فأنزل الله تعالى : ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ ( الليل : 1 ) إلى قوله : ﴿ للعسرى ﴾ وهو حديث غريب ، ومن أجل قول ابن عباس : فأنزل الله تعالى : ﴿ والليل إذا يغشى ﴾ قال جماعة : السورة مدنية وقد بينا في المقدمة الخامسة أنه كثيرا ما يقع في كلام المتقدمين قولهم : فأنزل الله في كذا قوله كذا ، أنهم يريدون
به أن القصة مما تشمله الآية . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح ) ولمح إليها بشار بن برد في قوله :
إن النحيلة إذ يميل بها الهوى
كالعذق مال على أبي الدحداح
( 12 ، 13 )
استئناف مقرر لمضمون الكلام السابق من قوله : ﴿ فأما من أعطى ﴾ إلى قوله : ﴿ للعسرى ﴾ ( الليل : 5 10 ) ، وذلك لإلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتساب السيئات ، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات ، والتيسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات . وذلك الميل هو المعبر عنه بالكسب عند الأشعري ، وسماه المعتزلة : قدرة العبد ، وهو أيضا الذي اشتبه على الجبرية فسموه الجبر .