تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثانية : أن يكون التيسير مستعملا مجازا مرسلا في التهيئة والإعداد بعلاقة اللزوم بين إعداد الشيء للشيء وتيسره له ، وتكون اللام من قوله : ﴿ لليسرى ﴾ و ﴿ للعسرى ﴾ لام التعليل ، أي نيسره لأجل اليسرى أو لأجل العسرى ، فالمراد باليسرى الجنة وبالعسرى جهنم ، على أن يكون الوصفان صارا علما بالغلبة على الجنة وعلى النار ، والتهيئة لا تكون لذات الجنة وذاتت النار فتعين تقدير مضاف بعد اللام يناسب التيسير فيقدر لدخول اليسرى ولدخول العسرى ، أي سنعجل به ذلك .

والمعنى : سنجعل دخول هذه الجنة سريعا ودخول الآخر النار سريعا ، بشبه الميسر من صعوبة لأن شأن الصعب الإبطاء وشأن السهل السرعة ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ذلك حشر علينا يسير ﴾ ( ق : 44 ) ، أي سريع عاجل . ويكون على هذا الوجه قوله : ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ مشاكلة بنيت على استعارة تهكمية قرينتها قوله : ( العسرى ) . والذي يدعو إلى هذا أن فعل ( نيسر ) نصب ضمير ﴿ من أعطى واتقى وصدق ﴾ ، وضمير ﴿ من بخل واستغنى وكذب ، فهو تيسير ناشىء عن حصول الأعمال التي يجمعها معنى اتقى ﴾ أو معنى ﴿ استغنى ﴾ ، فالأعمال سابقة لا محالة . والتيسير مستقبل بعد حصولها فهو

تيسير ما زاد على حصولها ، أي تيسير الدوام عليها والاستزادة منها .

ويجوز أن يكون معنى الآية : أن يجعل التيسير على حقيقته ويجعل اليسرى وصفا أي الحالة اليسرى ، والعسرى أي الحالة غير اليسرى .

وليس في التركيب قلب ، والتيسير بمعنى الدوام على العمل ، ففي ( صحيح البخاري ) عن علي قال : ( كنا مع رسول الله في بقيع الغرقد في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فقالوا : يا رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له . أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء ، ثم قرأ : ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ﴾ اه .

فصدر الحديث لا علاقة له بما تضمنته هذه الآية لأن قوله : ( ما من أحد إلا وقد كتب مقعده ) الخ معناه قد علم الله أن أحدا سيعمل بعمل أهل الجنة حتى يوافي عليه ، أو سيعمل بعمل أهل النار حتى يوافي عليه ، فقوله : ( وقد كتب مقعده ) جعلت الكتابة تمثيلا لعلم الله بالمعلومات علما موافقا لما سيكون لا زيادة فيه ولا نقص ، كالشيء المكتوب إذ لا يقبل زيادة ولا نقصا دون المقول الذي لا يكتب فهو لا ينضبط .

فنشأ سؤال من سأل عن فائدة العمل الذي يعمله الناس ، ومعنى جوابه : أن فائدة العمل الصالح أنه عنوان على العاقبة الحسنة . وذكر مقابله وهو العمل السيىء إتماما للفائدة ولا علاقة له بالجواب .

وليس مجازه مماثلا لما استعمل في هذه الآية لأنه في الحديث علق به عمل أهل السعادة فتعين أن يكون تيسيرا للعمل ، أي إعدادا وتهيئة للأعمال صالحها أو سيئها .

فالذي يرتبط بالآية من اللفظ النبوي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أعقب كلامه بأن قرأ : ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ الآية لأنه قرأها تبيينا واستدلالا لكلامه فكان للآية تعلق بالكلام النبوي ومحل الاستدلال هو قوله تعالى : ﴿ فسنيسره ﴾ .

فالمقصود منه إثبات أن من شؤون الله تعالى تيسرا للعبد أن يعمل بعمل السعادة أو عمل الشقاء سواء كان عمله أصلا للسعادة كالإيمان أو للشقاوة كالكفر ، أم كان للعمل مما يزيد السعادة وينقص من الشقاوة وذلك بمقدار الأعمال الصالحة لمن كان مؤمنا لأن ثبوت أحد معنيي التيسير يدل على ثبوت جنسه فيصلح دليلا لثبوت التيسير من أصله .

أو يكون المقصود من سوق الآية الاستدلال على قوله : ( اعملوا ) لأن الآية ذكرت عملا وذكرت تيسيرا لليسرى وتيسيرا للعسرى ، فيكون الحديث إشارة إلى أن العمل هو علامة التيسير وتكون اليسرى معنيا بها السعادة والعسرى معنيا بها الشقاوة ، وما صدق السعادة الفوز بالجنة ، وما صدق الشقاوة الهوي في النار .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٩١