التفصيل الذي تأتي له ( أما ) ، فارتباط التفصيل بالكلام السابق مستفاد من الفاء الداخلة على ( أما ) ، وإنما تعلقه بما قبله تعلق المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل .
فالمفصل هنا أحوال الإنسان الجاهل فصلت إلى حاله في الخفض والدعة وحاله في الضنك والشدة فالتوازن بين الحالين المعبر عنهما بالظرفين في قوله : ﴿ إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ﴾ الخ وفي قوله : ﴿ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ﴾ الخ . وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المجمل ولكنه تمييز وفصل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط .
وقد تقدم ذكر ( أما ) عند قوله تعالى : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم الآية في سورة البقرة .
والابتلاء : الاختبار ويكون بالخير وبالضر لأن في كليهما اختبارا لثبات النفس وخلق الأناة والصبر قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين ، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضا . قال تعالى : ﴿ ليبلوني أأشكر أم أكفر ﴾ ( النمل : 40 ) وقال : ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ( الأنبياء : 35 ) والأشهر أنه الإختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين .
والمعنى : إذا جعل ربه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهرا لحاله في الشكر والكفر ، وفي الصبر والجزع ، توهم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا .
والإكرام : قال الراغب : أن يوصل إلى الإنسان كرامة ، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة ، وأن يجعل ما يوصل إليه شيئا كريما ، أي شريفا قال تعالى : ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ ( الأنبياء : 26 ) ، أي جعلهم كراما اه يريد أن الإكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريما في صنفه فيصدق قوله تعالى : ﴿ فأكرمه ﴾ بأن يصيب الإنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه ، أو بأن جعل كريما سيدا شريفا . وقوله : ﴿ فأكرمه ﴾ من المعنى الأول للإكرام وقوله : ﴿ فيقول ربي أكرمني ﴾ من المعنى الثاني له في كلام الراغب واعلم أن قوله : ﴿ ونعمه ﴾ صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظا لهم ومعاملة بالرحمة ، والذي عليه المحققون من
المتكلمين أن الكافر منعم عليه في الدنيا ، وهو قول الماتريدي والباقلاني . وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي والخلف لفظي .
ومعنى ﴿ نعمه ﴾ جعله في نعمة ، أي في طيب عيش .
ومعنى : ﴿ فقدر عليه رزقه ﴾ أعطاه بقدر محدود ، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضا عن الدال ، وكل ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق قال تعالى : ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ﴾ ( الشورى : 27 ) .
والهاء في ﴿ رزقه ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿ الإنسان ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول ، ويجوز أن تعود إلى ﴿ ربه ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله .
والإهانة : المعاملة بالهون وهو الذل .
وإسناد ﴿ فأكرمه ونعمه . . . فقدر عليه رزقه ﴾ إلى الرب تعالى لأن الكرامة والنعمة انساقت للإنسان أو انساق له قدر الرزق بأسباب من جعل الله وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعض الحوادث بعضا ، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فرصها ومناسباتها .
والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم ، وإنما يتكلم الانسان عن اعتقاد . فالمعنى : فيقول ربي أكرمني ، معتقدا ذلك ، ويقول : ربي أهانني ، معتقدا ذلك لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة ، أو يتذمروا من الضيق والحاجة ، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى : ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ ( آل عمران : 75 ) ، أي اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم .